يخوض لبنان معركة دبلوماسية وقانونية للحؤول دون إنهاء مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل” بصيغتها الحالية، والعمل على ضمان استمرار الوجود الدولي في الجنوب، سواء عبر الإبقاء على القوة أو اعتماد صيغة بديلة بتفويض من مجلس الأمن، بما يمنع نشوء فراغ أمني قد تستفيد منه إسرائيل لتكريس واقع ميداني جديد.
وتستند المقاربة اللبنانية إلى تضامن داخلي نادر حول هذا الملف، تجلّى في مواقف الرؤساء الثلاثة والعريضة التي وقّعها 86 نائباً للمطالبة ببقاء “اليونيفيل”، أو على الأقل عدم ترك الجنوب من دون مظلة أممية. ويعكس هذا التوافق إدراكاً رسمياً لخطورة المرحلة، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي وغياب تسوية تضمن الانسحاب وتثبيت الاستقرار.
وقد أبلغ المسؤولون اللبنانيون وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيار لاكروا، خلال زيارته بيروت، مخاوفهم من تداعيات أي فراغ دولي في منطقة عمليات “اليونيفيل”، ولا سيما في ظل انتشار جيش الاحتلال الإسرائيلي داخل أراضٍ لبنانية واحتلاله قرى حدودية وأخرى تبعد كيلومترات عن الخط الأزرق. ويحذّر لبنان من أن غياب القوة الدولية أو استبدالها من دون ترتيبات واضحة قد يرفع احتمالات الاحتكاك، وصولاً إلى مواجهة بين الجيش اللبناني وقوات الاحتلال الإسرائيلي.
وفي المقابل، لا تزال المفاوضات السياسية تواجه فجوة واضحة بين الموقف اللبناني، الذي يعطي الأولوية للانسحاب الإسرائيلي وتثبيت الاستقرار، والموقف الإسرائيلي الذي يربط أي تقدم بمسألة نزع سلاح “حزب الله”. كما أن تجمّد المفاوضات منذ جولة روما في آب الماضي، والغموض المحيط بموعد مباحثات تامبا وجدول أعمالها، لا يقدّمان مؤشرات جدية إلى إمكان تحقيق اختراق قريب. ولم يسفر اجتماع السفيرة اللبنانية في واشنطن، ندى معوض، مع مسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية عن صيغة عملية لمعالجة الملفات العالقة، بما فيها استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب.
وأبلغ لاكروا المسؤولين اللبنانيين أن الخيارات التي طرحها الأمين العام للأمم المتحدة لاستمرار الوجود الدولي لا تزال قيد البحث في مجلس الأمن. وفي هذا السياق، شدد رئيس الجمهورية جوزاف عون على ضرورة تفادي أي فراغ أمني، وتمسك رئيس مجلس النواب نبيه بري بتنفيذ القرار 1701، فيما أبدى رئيس الحكومة نواف سلام استعداداً لبحث صيغة جديدة تستند إلى تفويض من مجلس الأمن الدولي.
وتشير المعطيات الدبلوماسية إلى أن لبنان يسعى إلى كسب الوقت ومنع استغلال انتهاء مهمة “اليونيفيل” لفرض ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب، في وقت تتحدث فيه “إسرائيل” عن إقامة منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية. غير أن نجاح هذا المسعى يبقى مرتبطاً بموقف مجلس الأمن، وبمدى استعداد القوى الدولية لتوفير صيغة تضمن استمرار الرقابة الدولية وتحدّ من مخاطر التصعيد.
وبين تعثّر المفاوضات واستمرار الاحتلال والاعتداءات، لا يقتصر التحدي اللبناني على الحفاظ على “اليونيفيل” بصيغتها الحالية، بل يتجاوز ذلك إلى منع أي فراغ دولي يمكن أن يهدد الاستقرار ويكرّس وقائع يصعب تغييرها لاحقاً.
لذلك، تبدو الأولوية اللبنانية مزدوجة: ضمان استمرار المظلة الأممية، وربط أي تغيير في طبيعة وجودها بترتيبات واضحة تحفظ السيادة اللبنانية وتمنع تحويل الجنوب إلى ساحة مفتوحة أمام التصعيد.


