الرئيسيةSliderتوسعة أوتوستراد جونية..  مشروع عمره 14 عاماً ولا موعد للتنفيذ

توسعة أوتوستراد جونية..  مشروع عمره 14 عاماً ولا موعد للتنفيذ

| خلود شحادة |

ليس التمويل وحده ما يعطّل توسعة أوتوستراد جونية، ولا يبدو أن تأمين الأموال، إذا تحقق، سيكون كافياً لإخراج المشروع من دائرة التأجيل. فالمشروع الذي يفترض أن يخفف الاختناق المروري على أحد أبرز المحاور الساحلية في كسروان، لا يزال يصطدم بسلسلة من العقبات المالية والإدارية والعقارية، فيما تتراكم السنوات من دون أن تلوح في الأفق خطوات تنفيذية واضحة.

القصة تعود إلى عام 2012، حين وقّع لبنان اتفاقية تمويل مع البنك الدولي  للاستثمار بقيمة 75 مليون يورو، ضمن مشروع بلغت كلفته الإجمالية المقدّرة نحو 150 يورو.

كان الهدف تأهيل وتوسعة نحو 10.3 كيلومترات من الأوتوستراد الممتد بين نهر الكلب وطبرجا، بما يشمل تحسين الطريق وتوسعتها إلى ثلاثة مسارب ومسرب خدمات، لمعالجة الاختناق المروري على المدخل الشمالي للعاصمة. لكن المشروع الذي وُضع على سكة التنفيذ قبل أكثر من عقد، بقي أسير الإجراءات والتعقيدات، وصولاً إلى إلغاء القرض الذي كان يشكّل ركيزة أساسية لتمويله.

ولم يكن سقوط التمويل الأوروبي نهاية المطاف، بل كشف عن مشكلة أوسع تتصل بقدرة الدولة على استكمال المشاريع التي تُقرّها وتأمين شروط تنفيذها. ففي توضيح صادر في 15 نيسان 2026، أكدت وزارة الأشغال العامة والنقل أن إلغاء القرض جاء بناءً على طلب الجهة المموّلة، وليس بطلب من الدولة اللبنانية، مشيرة إلى أن المشروع يقع ضمن مسؤولية مجلس “الإنماء والإعمار”، الذي يتولى إعداد ملفه التقني والإداري والمالي، فيما يقتصر دور الوزارة على المتابعة والتنسيق والمساعدة في تأمين مصادر التمويل.

وبذلك، لم يعد التحدي مقتصراً على إيجاد جهة مانحة بديلة، بل بات مرتبطاً أيضاً باستكمال المسار الإداري من جديد. فبحسب مصادر مطّلعة على الملف، انسحاب الشركة التي رست عليها مناقصة تنفيذ الأشغال لأسباب خاصة بها أعاد المشروع إلى مرحلة إعداد دفتر شروط جديد وإطلاق مناقصة أخرى، بما يعنيه ذلك من وقت إضافي وإجراءات لا يمكن تجاوزها بمجرد تأمين التمويل.

وفي تموز الماضي، كان مصدر مسؤول في مجلس الإنماء والإعمار قد أكد أن المشروع يُعرض على جهات مانحة ومموّلة لتأمين الأموال اللازمة، بعد إلغاء القرض السابق. وأشار إلى أن المشروع لا يزال قائماً وفق تصميمه الأساسي، فيما يجري تحديث كلفته التقديرية في ضوء الارتفاع العالمي للأسعار. وقدّر المصدر الكلفة الحالية بنحو 70 إلى 80 مليون دولار أميركي، من دون احتساب ضريبة القيمة المضافة، ما يعكس الحاجة إلى إعادة تقييم المتطلبات المالية للمشروع قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ”.

لكن حتى التمويل البديل وإعادة إطلاق المناقصة لا يكفيان وحدهما لضمان انطلاق الأشغال. فهناك عقدة أخرى أكثر تعقيداً تتعلق بالاستملاكات، إذ يتطلب تنفيذ المشروع تأمين العقارات اللازمة على جانبي الطريق الساحلية، في ظل نزاعات قضائية مرتبطة ببعض الملكيات تعرقل استكمال هذه العملية.

وكانت تقديرات سابقة قد أشارت إلى تخصيص نحو 35 مليون دولار للاستملاكات بالتوازي مع اتفاقية القرض الأوروبي، ما يبرز حجم العبء العقاري والمالي الذي يرافق المشروع، ويؤكد أن معالجة هذا الملف ليست تفصيلاً إدارياً يمكن تأجيله إلى ما بعد التلزيم.

 

وينتج عن كل ما ورد، حلقة مفرغة يدور فيها المشروع وهي على الشكل التالي:

التمويل يحتاج إلى ملف مكتمل وشروط قابلة للتنفيذ.

والتلزيم يحتاج إلى إجراءات إدارية جديدة.

والاستملاكات والنزاعات العقارية عقبة أمام الشركات الراغبة في تنفيذ الأشغال.

وفي ظل غياب معالجة متوازية لهذه المسارات، قد يتحول أي تمويل جديد إلى محطة إضافية في رحلة الانتظار، بدلاً من أن يكون مدخلاً فعلياً لبدء العمل.

أما على المستوى المروري، فالمشروع لا يقتصر على إضافة مسارب إلى الطريق، بل يهدف أيضاً إلى فصل حركة السير العابرة للمنطقة عن حركة المركبات المتجهة إلى المحال التجارية، بما يخفف التداخل بين السير على الأوتوستراد والتوقفات المتكررة على جانبيه. وفي انتظار التنفيذ، يجري التركيز على إجراءات موازية تشمل إزالة المخالفات وتنظيم وقوف السيارات أمام المحال التجارية، بالتنسيق مع البلديات المعنية، وفق ما أعلنه المصدر المسؤول في مجلس الإنماء والإعمار.

غير أن هذه الإجراءات، مهما كانت ضرورية، تبقى حلولاً موضعية لا تعوّض عن مشروع متكامل يُفترض أن يعالج الاختناق على امتداد المحور الساحلي. فتنظيم الوقوف وإزالة المخالفات قد يساهمان في تحسين حركة السير، لكنهما لا يشكلان بديلاً من توسعة الطريق ومعالجة الاختناقات البنيوية التي دفعت إلى طرح المشروع أساساً.

وفي المحصلة، لا يزال مشروع توسعة أوتوستراد جونية قائماً من حيث المبدأ، لكنه لم يصل إلى مرحلة تتيح تحديد موعد واضح لانطلاق الأشغال. وبين البحث عن التمويل، وإعادة إطلاق المناقصة، واستكمال الاستملاكات وحل النزاعات القضائية، يبقى التنفيذ رهناً باستيفاء شروط متداخلة لا يبدو أن أياً منها يمكن تجاوزه منفرداً.

شريط الأحداث