| خاص “الجريدة” |
في جزين، لا تبدو معركة رئاسة اتحاد البلديات مجرد استحقاق إداري وإنمائي عادي، بل مواجهة سياسية بامتياز، تتداخل فيها الحسابات البلدية مع موازين القوى المحلية، وتُختبر فيها أحجام القوى السياسية وقدرتها على ترجمة حضورها إلى أصوات فعلية داخل صندوق الاقتراع.
وفي خضم هذا المشهد، يبرز اسم النائب السابق زياد أسود بوصفه أحد أبرز اللاعبين القادرين على التأثير في مسار المعركة، وربما صاحب الكلمة الفصل فيها، في ظل تقارب الأرقام بين “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية”، وعدم امتلاك أي من الطرفين، وفق المعطيات المتداولة، هامشاً مريحاً يضمن له حسم الرئاسة.
فإذا كانت الأصوات متقاربة إلى حدّ كبير، فمن أين ستأتي الكتلة التي تصنع الفارق؟
هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه على المشهد الجزيني، ويعيد وضع زياد أسود في قلب المعادلة، باعتباره شخصية لا يمكن تجاوزها بسهولة عند احتساب الاحتمالات الانتخابية، خصوصاً أن أي تبدّل في اتجاه الأصوات التي يستطيع التأثير فيها قد يقلب الموازين من ضفة إلى أخرى.
مرشحان وحسابات تتجاوز الأسماء
على مستوى الأسماء المطروحة، يبدو دافيد الحلو، المدعوم من “التيار الوطني الحر”، في صلب المعركة المقبلة، ولا سيما بعد إعلان التيار دعمه له لرئاسة الاتحاد عقب قبول الطعن وإبطال جلسة الانتخاب السابقة.
لكن السؤال الذي يتجاوز إعلان الدعم السياسي، هو ما إذا كانت الأصوات المتوافرة للحلو كافية لتأمين وصوله إلى الرئاسة، أم أن معركته تحتاج إلى تفاهمات إضافية تتخطى حدود “التيار” وحلفائه المباشرين.
وفي المقابل، يبرز اسم جوزيف نصر بوصفه المرشح الذي يُطرح في سياق الحسابات المرتبطة برئاسة الجمهورية، وفق المعطيات المتداولة. غير أن أي دعم سياسي، مهما كانت أهميته، يبقى بحاجة إلى ترجمة فعلية داخل مجلس الاتحاد، حيث لا تُحسم النتائج بالنوايا أو بالمواقف المعلنة، بل بالأصوات التي توضع في الصندوق.
وهنا تكمن العقدة الأساسية: إذا لم يتمكن أي من المرشحين من تأمين أكثرية كافية، وإذا بقيت “القوات اللبنانية” عاجزة عن حسم المعركة بمرشحها، أو لم تتوافر لها الأكثرية المطلوبة، فإن كل الحسابات ستعود إلى نقطة واحدة: من يستطيع تأمين الأصوات الإضافية التي تصنع الفرق؟
في هذه الحالة، تصبح الكتلة القادرة على ترجيح كفة أحد المرشحين أكثر أهمية من حجم الكتل الأساسية نفسها، ويصبح موقف زياد أسود عنصراً لا يمكن تجاهله في أي قراءة جدية للمشهد.
هل يجدّد أسود دعمه لدافيد الحلو؟
السؤال الأكثر حساسية في هذه المعركة يتعلق بموقف زياد أسود نفسه.
فأسود كان له دور في تسمية و تعويم دافيد الحلو خلال معركة رئاسة بلدية جزين، ووصول الحلو إلى رئاسة البلدية فتح الباب أمام تساؤلات حول إمكانية تكرار التجربة في انتخابات الاتحاد إذ أن للأسود مآخذ على الحلو.
فهل يختار أسود دعم الحلو مجدداً، ويكون بذلك قد ساهم في إيصال الرجل نفسه إلى موقعين بلديين متتاليين، الأول على مستوى بلدية جزين والثاني على مستوى اتحاد البلديات؟
أم أن معركة الاتحاد تختلف عن معركة البلدية، وأن لكل استحقاق حساباته وتحالفاته وشروطه، بما يجعل قرار أسود هذه المرة أكثر تعقيداً؟
لا يمكن اعتبار الدعم السابق التزاماً تلقائياً بالدعم اللاحق، كما لا يمكن استبعاد تكرار التجربة. فالمسألة ترتبط بما يراه أسود مناسباً لموقعه السياسي، وللعلاقة التي تربطه بالحلو، ولطبيعة التفاهمات التي قد تُطرح على الطاولة في الأيام المقبلة.
والأهم أن قراراً من هذا النوع لن تكون له دلالات بلدية فحسب، بل سياسية أيضاً، لأنه سيكشف مدى قدرة أسود على الاحتفاظ بموقع مستقل في المعادلة الجزينية، وعلى اتخاذ خياراته بعيداً عن الإملاءات الحزبية أو الضغوط المتعددة.
بين خيار رئيس الجمهورية وحسابات “التيار”
في المقابل، يطرح اسم جوزيف نصر سؤالاً آخر لا يقل أهمية: هل يختار أسود السير في اتجاه ينسجم مع الرغبة المنسوبة إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون، إذا كانت هذه الرغبة تتجه فعلاً نحو دعم نصر، أم يذهب في اتجاه آخر تفرضه حساباته المحلية؟
المسألة هنا ليست في الموقف من رئيس الجمهورية بحد ذاته، بل في طبيعة العلاقة بين الاعتبارات الوطنية والسياسية من جهة، والاستحقاقات البلدية ذات الخصوصية المحلية من جهة أخرى.
فإذا اختار أسود دعم نصر، فقد يُقرأ قراره بوصفه مساهمة في تأمين مسار انتخابي ينسجم مع هذا التوجه، كما قد يُفسَّر في الأوساط السياسية على أنه تقاطع مع حسابات “التيار الوطني الحر” وحلفائه، ومن بينهم أمل أبو زيد وخليل حرفوش الداعمين لوصول نصر لإعتبارات مالية و مصالح و إنتقاماً من طريقة تعامل الحلو مع حرفوش و تهميشه.
أما إذا اختار دعم الحلو، فسيكون قد أعاد تثبيت خيار سبق أن ساهم في وصوله إلى رئاسة بلدية جزين، مع ما يحمله ذلك من دلالات تتعلق بقدرته على الاستمرار في التأثير في الاستحقاقات المحلية.
وفي الحالتين، لا يكفي إطلاق الأحكام المسبقة على موقف أسود، ولا يصح افتراض أن قراره محسوم سلفاً، فالمعركة لا تزال محكومة بحسابات دقيقة، وأي موقف نهائي يحتاج إلى قراءة ما ستؤول إليه الاتصالات والتفاهمات بين الأطراف المعنية.
“القوات اللبنانية” أيضاً أمام اختبار الأرقام
لا يمكن فصل هذه المعركة عن موقع “القوات اللبنانية”، التي تخوض بدورها اختباراً لقدرتها على تحويل حضورها السياسي والبلدي إلى أكثرية داخل الاتحاد.
ففي ظل تقارب الأرقام، لا يبدو أن أي فريق قادر على التعامل مع النتيجة بوصفها محسومة قبل الاقتراع. وإذا لم تستطع “القوات” تأمين العدد الكافي من الأصوات لمرشحها، فستكون أمام واقع يفرض عليها البحث عن مساحات إضافية للتفاهم، أو انتظار ما ستؤول إليه خيارات الشخصيات والبلديات التي لا تتحرك بالضرورة وفق الاصطفافات الحزبية وحدها.
وهنا تكتسب أصوات أسود أهميتها مجدداً، ليس بالضرورة لأنها وحدها تحسم النتيجة في كل السيناريوهات، بل لأنها قد تصبح جزءاً من الكتلة التي ترجّح كفة مرشح على آخر عندما تتقارب الحسابات إلى هذا الحد.
فالمعادلة في جزين ليست مجرد مواجهة بين “التيار” و”القوات”، بل شبكة من العلاقات البلدية والعائلية والسياسية، تتداخل فيها المصالح المحلية مع الاعتبارات الحزبية، ويصبح فيها كل صوت قادر على تغيير اتجاه المعركة.
زياد أسود… لاعب لا يمكن تجاهله
إنه اختبار لمدى استمرار حضوره في جزين، ولقدرته على إثبات أن دوره لا يرتبط باستحقاق انتخابي واحد، بل يمتد إلى مختلف المحطات التي تتطلب تفاهمات محلية وحسابات دقيقة.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من سيكون رئيس اتحاد بلديات جزين المقبل؟ بل أيضاً: من سيتمكن من جمع الأكثرية، وبأي ثمن سياسي، وعلى أي قاعدة من التفاهمات؟
هل يكرر أسود خياره السابق ويدعم دافيد الحلو؟ هل يختار مساراً آخر يفتح الطريق أمام جوزيف نصر؟ أم أن الأيام المقبلة ستكشف عن تسوية مختلفة تعيد خلط الأوراق وتنتج مرشحًا قادراً على جمع الأصوات من أكثر من جهة؟
حتى تتضح الصورة، يبقى المؤكد أن تقارب الأرقام يجعل كل صوت إضافي ذا قيمة، وأن أي قراءة للمعركة تتجاهل موقع زياد أسود ستكون قراءة ناقصة للمشهد الجزيني.
و الخلاصة في انتخابات اتحاد بلديات جزين، قد لا يكون زياد أسود المرشح إلى الرئاسة، لكنه قد يكون من أبرز من يملكون مفاتيح الوصول إليها. وعندما تتقارب الأرقام إلى حدّ الاختناق، لا يعود السؤال من يملك الكتلة الأكبر فحسب، بل من يملك القدرة على صنع الفارق.


