الرئيسيةSliderبدل الإيواء من "حزب الله": جرعة لتخفيف وجع التهجير

بدل الإيواء من “حزب الله”: جرعة لتخفيف وجع التهجير

| خلود شحادة | 

لم يكن إعلان “حزب الله”، اليوم، بدء صرف مساعدات الإيواء للعائلات التي دمّرت الحرب منازلها أو جعلتها غير صالحة للسكن، تفصيلاً عابراً في مشهد ما بعد الحرب، بل خطوة تحمل أبعاداً اجتماعية وسياسية تتجاوز قيمتها المالية. فبالنسبة إلى عائلات وجدت نفسها مضطرة إلى مغادرة بيوتها، والبحث عن سقف بديل وسط أعباء معيشية متراكمة، تشكّل هذه المساعدات متنفّساً ضرورياً، وإن لم تكن كافية لمواجهة حجم الخسائر التي خلّفتها الحرب.

وبحسب الآلية التي أعلنها رئيس المجلس التنفيذي في الحزب، علي دعموش، تبلغ قيمة المساعدة الإجمالية 14 ألف دولار للعائلات المستحقة في بيروت والضاحية الجنوبية، و12 ألف دولار للعائلات في المناطق الأخرى، موزّعة على أربع دفعات خلال عام. وتشمل المبالغ بدل الأثاث والإيجار، فيما تبلغ الدفعة الأولى 3500 دولار في بيروت والضاحية، و3000 دولار في المناطق الأخرى. ويستهدف البرنامج العائلات التي تضررت مساكنها الأساسية أو دُمّرت، وفق معايير محددة للاستفادة.

لكن خلف الأرقام، ثمة عائلات لا تستطيع الانتظار حتى انتهاء الحرب وتسوية ملف التعويضات وإعادة الإعمار. فالإيجار لا يتوقف، ومصاريف الحياة اليومية لا تتأجل، وفقدان المنزل لا يعني خسارة الجدران والأثاث فحسب، بل خسارة الاستقرار أيضاً. لذلك، تبدو المساعدة محاولة لتخفيف وطأة التهجير، وإعادة قدر من القدرة على تدبير الحياة في ظروف استثنائية، لا تعويضاً كاملاً عن الخسائر ولا حلاً نهائياً لها.

قد لا تكفي المبالغ المقررة لتغطية كل ما تحتاج إليه الأسرة المتضررة، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف السكن والأثاث وتفاوت الأضرار بين منطقة وأخرى. لكن في حسابات العائلات التي تستنزف مدخراتها شهراً بعد آخر، يمكن لأي مبلغ أن يشكّل فارقاً ملموساً. فـ”حجرة تسند خابية”، ومساعدة جزئية قد تمنح عائلة فرصة لالتقاط أنفاسها، أو تجنّب تراكم ديون جديدة، أو تأمين مسكن لفترة إضافية. ولا تُقاس أهمية هذه الخطوة بقدرتها على محو آثار الحرب، بل بما يمكن أن توفره من تخفيف فوري لبعض أعبائها.

في المقابل، لا يمكن فصل توقيت استئناف المساعدات عن الظروف المالية والسياسية التي يواجهها “حزب الله”. فالحزب يتحرك في ظل ضغوط أميركية متزايدة وعقوبات تستهدف مصادر التمويل وشبكاته، وقطع أوصال بين لبنان وإيران، وحصار تشارك فيه السلطة اللبنانية، بالإضافة إلى عدوان إسرائيلي طال مل المؤسسات المالية الاجتماعية والسياسية التابعة للحزب.

وكانت وكالة “رويترز” قد نقلت، في 7 تشرين الأول، عن مصدرين مطلعين أن الحزب تلقى نحو 200 مليون دولار من إيران للمساعدة في تمويل دعم النازحين، في حين شككت واشنطن في صحة هذه المعلومات، ولم يؤكد الحزب الرقم أو يعلّق عليه عند إعلانه تفاصيل البرنامج.

ضمن هذا السياق، يحمل إطلاق المساعدات دلالة تتجاوز الجانب الإغاثي.. الحزب يسعى إلى الوفاء بالتزام تجاه العائلات المتضررة، وإلى إثبات قدرته على الاستمرار في تقديم الدعم رغم الضغوط التي تحيط به. غير أن حجم هذه القدرة الفعلية سيبقى مرتبطاً بانتظام الدفع، وشمول المستحقين، والقدرة على استكمال الدفعات المقررة. فالإعلان عن المساعدة خطوة أولى، أما الاختبار الحقيقي فهو وصولها إلى أصحابها وفق المعايير المعلنة، وفي المواعيد المحددة.

لكن ثمة جانباً آخر لا يمكن تجاهله، كيف تُركت العائلات المتضررة أمام هذا القدر من الأعباء، ولماذا بقيت المساعدات المباشرة والتعويضات الرسمية دون مستوى الحاجة؟ لقد أشار دعموش إلى أن الدولة لم تضع ملف التعويضات على طريق المعالجة المطلوبة، سواء من خلال تأمين التمويل أو استكمال آليات مسح الأضرار واحتساب المستحقات. وهذا توصيف يطرحه الحزب في سياق انتقاده أداء الحكومة، لكنه يفتح في الوقت نفسه نقاشاً أوسع حول مسؤولية الدولة في حماية المواطنين الذين فقدوا منازلهم ومصادر استقرارهم.

فحين تتأخر الاستجابة الرسمية، وتغيب المساعدات الكافية عن عائلات تواجه الإيجارات وتكاليف المعيشة وحدها، لا تبقى المسألة مجرد نقص في التعويضات، بل تتحول إلى أزمة اجتماعية قابلة للتفاقم. ومع مرور الوقت، يتراكم الغضب والإحباط والشعور بالتخلي، وتصبح البيئات المتضررة أكثر هشاشة أمام الضغوط الاقتصادية والنفسية. وفي مثل هذه الظروف، يكتسب تدخل “حزب الله” بعداً إضافياً، إذ لا يقتصر على تقديم المال، بل يسعى أيضاً إلى احتواء تداعيات التأخر في المعالجة، ومنع اتساع الفجوة بين حاجات الناس وما يتلقونه من دعم.

إلا أن هذه المعادلة لا تعفي الدولة من مسؤولياتها، كما لا يجوز أن يتحول الدعم الحزبي إلى بديل دائم من السياسة العامة. يفترض أن تكون حماية المتضررين وتعويضهم وإعادة تأهيل مناطقهم جزءاً من مسؤولية مؤسسات الدولة. والمطلوب ليس وضع المساعدات الحزبية في مواجهة المساعدات الرسمية، بل ضمان ألا يُترك المواطن رهينة غياب إحداها أو تعثر الأخرى.

والأهم أن الحرب لم تنتهِ فعلياً بالنسبة إلى آلاف العائلات التي لا تستطيع العودة إلى قراها ومنازلها، سواء بسبب الدمار أو استمرار الاحتلال والسيطرة الإسرائيلية على مناطق حدودية، ولكن الدولة لا تستطيع الاستمرار بالمماطلة إلى حين انتهاء الحرب بشكل كلي، وترك الناس تفتح أفواهها للهواء، وتلتحف السماء بغياب السقف.

في المحصلة، تمنح مساعدات الإيواء العائلات المتضررة جرعة تخفيف هي بأمسّ الحاجة إليها، وقد تشكل فارقاً حقيقياً في مواجهة أعباء التهجير. لكنها لا تستطيع وحدها أن تحمل كلفة حرب مفتوحة، ولا أن تعالج غياب الاستجابة الرسمية، ولا أن تعيد للناس بيوتهم واستقرارهم. فالمساعدة تسند الخابية، لكنها لا تملؤها؛ وما دام الاحتلال قائماً، والعودة متعذرة، والتعويضات وإعادة الإعمار ينتظران المعالجة، ستبقى كل دفعة مالية خطوة ضرورية، لكنها مؤقتة، في طريق لم يصل بعد إلى نهايته.

شريط الأحداث