الرئيسيةشريط الاحداثهل يكون الديزل الروسي وقودا للانتخابات الأميركية؟

هل يكون الديزل الروسي وقودا للانتخابات الأميركية؟

تحول ملف الطاقة العالمي، وفي صلبِه مادة الديزل، من مجرد مؤشر اقتصادي إلى وقود يحرّك عجلة السياسة وانتخابات التجديد النصفي التكميلية للكونغرس في الولايات المتحدة، بالتوازي مع رسم حدود التحالفات والضغوط في الحرب الروسية الأوكرانية.

فبينما تحاول كييف إضعاف قدرة موسكو على تمويل غزوها عبر استهداف منشآتها النفطية، يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الإفادة من إمدادات الديزل الروسي لاحتواء ارتفاع أسعار الوقود قبل التجديد النصفي للكونغرس في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

وفي هذه الأثناء، تتكشف ملامح تقاطع معقد يضع الحالة الأوكرانية في ميزان الحسابات الانتخابية الأميركية، وسط تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت أوراق القوة التي اكتسبتها كييف ميدانيا قد أصبحت ضحية لتوازنات أسعار المحروقات بآليات السوق الغربية.

وكان الرئيس ترامب قد صرح، الجمعة، بأن فلاديمير بوتين سيهبّ لإنقاذ سائقي الشاحنات الأميركيين، حيث أعلن عقب مكالمة هاتفية مع نظيره الروسي أن موسكو ستضخ على الفور أكثر من 300 ألف طن من الديزل إلى “السوق الأميركية والعالمية”، على أن تتبعها 500 ألف طن أخرى في نوفمبر/تشرين الثاني، ثم مليون طن إضافي في ديسمبر/كانون الأول.

وتكشف تقارير وتحليلات نشرتها صحيفتا ديلي تلغراف و” فايننشال تايمز” البريطانيتان ووكالة” بلومبيرغ” الإخبارية الأميركية، عن أبعاد متشابكة لهذه الصفقة.

ففي حين ركز الممول والناشط البريطاني الأميركي بيل براودر، في مقاله بصحيفة تلغراف، على ما يراه تفريطا أميركيا في ورقة الضغط الأوكرانية ومكافأة لموسكو، تقدم “ فايننشال تايمز” قراءة أكثر ارتباطا بالمعطيات الفعلية لسوق الديزل وقدرة روسيا على التصدير.

أما تقرير” بلومبيرغ” فيسلط الضوء على الأخطار السياسية والعسكرية التي تهدد كييف إذا تحولت أسعار الطاقة إلى معيار يحكم علاقة الولايات المتحدة بأوكرانيا.

والقاسم المشترك بين هذه القراءات أن الصفقة تتجاوز مسألة توفير الوقود؛ إذ تطرح سؤالا عن طبيعة السياسة الأميركية تجاه الحرب وما إذا كانت واشنطن تسعى إلى تسوية توازن بين أمن أوكرانيا ومصالح حلفائها، أم إلى تهدئة الأسواق سريعا، حتى إن كان ذلك على حساب الأدوات التي بنت عليها كييف قدرتها على مقاومة روسيا.

 

صفقة محدودة اقتصاديا ومكلفة إستراتيجيا

وفقا لصحيفة تلغراف، فقد تَبِع إعلان ترامب يوم الجمعة الماضي إصدار وزارة الخزانة الأميركية ترخيصا يتيح دخول الديزل الروسي للأسواق العالمية حتى أبريل/نيسان المقبل.

وأشار براودر -وهو مستثمر واقتصادي ورجل أعمال- في مقاله إلى أن متوسط سعر غالون الديزل في الولايات المتحدة بلغ 6.28 دولارات، مقتربا من مستوياته القياسية، في حين لم يبق قبل انتخابات التجديد النصفي سوى بضعة أسابيع.

ومع ارتفاع تكاليف النقل والزراعة، تواجه الإدارة الأميركية ضغطا لتقديم استجابة سريعة لمخاوف الناخبين بشأن تكاليف المعيشة.

لا يتمثل التحدي الروسي في استحالة تصدير الديزل من حيث المبدأ، بل في الحفاظ على صادرات كبيرة إذا استمرت الهجمات على المصافي

لكن المشكلة أن المكاسب الانتخابية المأمولة لا تستند بالضرورة إلى إمدادات قادرة على تغيير واقع السوق. ففي تقرير إخباري، أفادت “ فايننشال تايمز” بأن الكميات الموعودة في المرحلة الأولى تظل محدودة قياسا بالطلب العالمي، وأن ضخ نصف مليون طن إضافي في شهر واحد لن يغطي سوى أقل من 4% من الاستهلاك العالمي للديزل.

وتزداد الشكوك عند الانتقال من حجم الوعود إلى قدرة روسيا على تنفيذها. فالهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة ألحقت أضرارا واسعة بمصافي التكرير الروسية. وتذهب بعض التقديرات التي نقلتها الصحيفة إلى أن ما يصل إلى 45% من القدرة التكريرية قد خرج من الخدمة.

وقد أدت الضربات إلى تفاقم نقص البنزين داخل روسيا، وإجبار موسكو على استيراد بعض المنتجات النفطية، ومنها وقود من الهند.

ومع ذلك، لا تعني هذه المعطيات أن روسيا عاجزة تماما عن تصدير الديزل. فالفرق بين البنزين والديزل مهم هنا، حيث تعتمد السيارات الروسية أساسا على البنزين، بينما يذهب الديزل بدرجة كبيرة إلى الشاحنات والمعدات الثقيلة، وقد ظل إنتاجه يتجاوز الاستهلاك المحلي.

وتنقل ““ فايننشال تايمز”” في تقريرها عن سيرغي فاكولينكو، الباحث في مركز كارنيغي لشؤون روسيا وأوراسيا في برلين، أن المصافي الروسية تنتج نحو 5.8 ملايين طن من الديزل شهريا، مع إمكانية تخصيص ما بين 1.2 مليون ومليوني طن للتصدير.

وهكذا، لا يتمثل التحدي الروسي في استحالة تصدير الديزل من حيث المبدأ، بل في الحفاظ على صادرات كبيرة إذا استمرت الهجمات على المصافي، وفي القدرة على الوفاء بالوعود الإضافية المرتبطة باستعادة الإنتاج.

ويخلص التقرير إلى أن الصفقة قد لا توفر إغاثة ملموسة للمستهلكين، حتى لو سمحت لموسكو باستئناف بعض الصادرات.

وتتضح هنا إحدى المفارقات الأساسية، فقد تكون الصفقة محدودة القيمة الاقتصادية للمستهلك الأميركي، لكنها ذات قيمة سياسية بالنسبة إلى ترامب، الذي يستطيع تقديمها باعتبارها محاولة لتخفيف الأسعار. أما بالنسبة إلى بوتين، فإنها تمنحه فرصة لتخفيف القيود على صادرات بلاده واستعادة جزء من عائداتها.

 

 

أوكرانيا تخسر ورقة ضغط

في قراءة براودر، لا تكمن المشكلة الأساسية في حجم الإيرادات الروسية الإضافية، بل في الأثر الذي قد تتركه الصفقة على إستراتيجية كييف العسكرية. فقد أصبحت الهجمات الأوكرانية على مصافي التكرير -في رأيه- من الأدوات التي تتيح لكييف الرد على الضربات الروسية، عبر استهداف موارد الاقتصاد الذي يمول الحرب.

ويرى الكاتب أن أوكرانيا راكمت خلال الأشهر الماضية ورقة ضغط حقيقية، إذ أجبرت موسكو على اتخاذ إجراءات لحماية سوقها الداخلية والحد من صادرات الوقود.

ومن وجهة نظره، كان استمرار الضغط على البنية النفطية الروسية كفيلا بدفع الكرملين إلى قبول ترتيبات لوقف الهجمات الجوية، بعدما رفض بوتين المقترح السابق للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لوقف متبادل لإطلاق النار في قطاع الطاقة.

ويحذر براودر من أن ربط الإمدادات المستقبلية بحالة المصافي يغيّر المعادلة السياسية. ففي اعتقاده، فإن كل ضربة أوكرانية جديدة قد تُقدَّم في واشنطن باعتبارها تهديدا لإمدادات الوقود الأميركية. وبذلك، لا تكتفي الصفقة بتخفيف القيود الاقتصادية على موسكو، وفق قراءته، بل تنقل جزءا من كلفة إستراتيجية الردع الأوكرانية إلى العلاقة بين كييف وواشنطن.

ومع ذلك، فإن تقدير المكاسب الروسية يحتاج إلى قدر من التحفظ. وبحسب ألكسندر كولياندر، مدير قطاع أوروبا في مجموعة أوراسيا الاستشارية للأخطار السياسية، الذي تنقل “ فايننشال تايمز” تقديراته، إذا صدّرت روسيا 3 ملايين طن شهريا من الوقود فإن ذلك سيعود على المصدرين بإيرادات تبلغ نحو 1.2 مليار دولار إضافية خلال 6 أشهر، إن ظلت القيود المفروضة قائمة.

لكن كولياندر يقدِّر أن زيادة الشحنات ستدر على الموازنة الاتحادية الروسية، الممولة للمجهود الحربي، مبلغ 100 مليون دولار فقط.

 

هل تتحول أزمة الوقود إلى أداة ضغط على زيلينسكي؟

يتناول تقرير وكالة” بلومبيرغ” البعد الأخطر للأزمة، إذ يربط بين صفقة الديزل وتصاعد المواجهة السياسية بين الرئيسين ترامب وزيلينسكي. فبعد الإعلان عن الصفقة، دعا الرئيس الأميركي إلى تغيير القيادة الأوكرانية، معتبرا أن الوقت حان لوجود رئيس جديد يستطيع إبرام اتفاق مع روسيا.

وفي سياق منفصل أعلن ترامب ما سماه “وقف إطلاق نار في قطاع الطاقة” بين روسيا وأوكرانيا، فقال زيلينسكي إنه مستعد لقبول ذلك بشرط التزام روسيا به أيضا، مؤكدا أنه ينتظر تفاصيل المقترح الأميركي. ويكشف هذا الموقف محاولة كييف تجنب الظهور بمظهر الرافض للتهدئة، من دون التخلي عن مبدأ المعاملة بالمثل.

لكن المسألة لا تتوقف عند التراشق اللفظي. فطبقا لبلومبيرغ، أثار ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مبعوثا ترامب، خلال محادثات مع مسؤولين أوكرانيين في مدينة ميامي بولاية فلوريدا، مسألة الأضرار التي تلحقها الضربات الأوكرانية بالمستهلكين الأميركيين.

وكشفت الوكالة نقلا عن مصادر مطلعة أن المفاوضين الأوكرانيين قطعوا المحادثات بشكل مفاجئ.

وتقول الوكالة في تقريرها إن بعض المشاركين فهموا ذلك على أنه تلميح إلى إمكانية تقليص تبادل المعلومات الاستخبارية مع كييف، في حين لم يتلقَّ المسؤولون الأوروبيون الذين حضروا الاجتماع إخطارا من الولايات المتحدة بقرب التوصل إلى صفقة مع موسكو تتعلق بإمدادات الديزل.

وتكمن خطورة هذا الضغط في اعتماد أوكرانيا المستمر على المعلومات الاستخبارية الأميركية والأسلحة التي تحصل عليها عبر برنامج مشتريات تموله دول أخرى في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

كما تواجه البلاد نقصا في صواريخ الاعتراض اللازمة لمنظومات باتريوت، إلى جانب فجوة تمويلية يتوقع صندوق النقد الدولي أن تتجاوز 30 مليار دولار عام 2027.

ووفق” بلومبيرغ”، فقد حذرت فيونا هيل، المستشارة السابقة لشؤون روسيا في مجلس الأمن القومي الأميركي، من أن تدخل ترامب الفاعل في السياسة الأوكرانية قد يلحق ضررا أكبر بكييف. فالمسألة، بهذا المعنى، تتجاوز مطالبة زيلينسكي بتعديل سلوكه العسكري إلى احتمال استخدام أدوات الدعم الأميركي للتأثير في خيارات القيادة الأوكرانية.

 

صفقات الطاقة ومصالح المقربين

يضيف براودر في مقاله بتلغراف بعدا آخر إلى المشهد، إذ يربط بين صفقة الوقود ومفاوضات بشأن أصول روسية خاضعة للعقوبات.

ويشير في هذا الصدد إلى تحركات مرتبطة ببيع الأصول الدولية لشركة “لوك أويل” الروسية، وإلى محادثات بشأن خطوط أنابيب “نورد ستريم”، معتبرا أن تداخل المصالح التجارية للمقربين من الإدارة الأميركية مع المفاوضات المتعلقة بمستقبل أوكرانيا يثير تساؤلات جدية حول تضارب ذلك مع طبيعة عملهم.

وهذه اتهامات وتقديرات يطرحها الكاتب، لكنها لا تُعد دليلا مستقلا على وجود مقايضة مباشرة بين الديزل والأصول الروسية. لكنها، مع ذلك، تفتح سؤالا مشروعا عن الشفافية حول ما إذا كانت السياسة الأميركية تجاه موسكو تُدار وفق إستراتيجية معلنة لإنهاء الحرب، أم تتداخل معها حسابات تجارية يصعب فصلها عن المصالح السياسية.

وفي المقابل، لم تمر الصفقة بدون معارضة داخل الولايات المتحدة. فقد أوضح تقرير” بلومبيرغ” أن 7 أعضاء في مجلس الشيوخ (4 منهم جمهوريون، و3 ديمقراطيون) اعترضوا عليها بحجة أنها تتناقض مع الحظر الذي أقره الكونغرس على واردات الطاقة الروسية منذ 2022.

ويدل ذلك على أن الخلاف ليس بين ترامب وزيلينسكي فحسب، بل يمتد إلى سياسة العقوبات ومدى اتساق الصفقة مع التشريعات الأميركية.

شريط الأحداث