الرئيسيةSlider"سلاح غامض" يستهدف ضباط المخابرات الأميركية!

“سلاح غامض” يستهدف ضباط المخابرات الأميركية!

كشفت شهادات جديدة لضباط في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “CIA” ومسؤولين آخرين عن تعرضهم لـ”أعراض صحية غامضة” خلال مهام خارج الولايات المتحدة، في وقائع أعادت الجدل بشأن احتمال استهدافهم بأسلحة غير معروفة، وسط اتهامات متجددة لروسيا بالوقوف وراء بعض هذه الحوادث، وشكوك بشأن احتمال حجب أدلة متصلة بالقضية داخل مؤسسات أميركية.

وتعود إحدى الحالات إلى نيسان/أبريل 2019، عندما استيقظ ضابط في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، كان في رحلة عمل إلى لندن، على صداع حاد وصفه بأنه الأشد في حياته، مصحوبًا بتعرق شديد واضطراب في التوازن. وفي اليوم التالي، واجه صعوبة في تذكر أسماء زملائه ومتابعة النقاش خلال اجتماع عمل، قبل أن تستمر لديه أعراض شملت التشوش الذهني وفقدان التوازن وطنينًا متزايدًا في الأذنين.

وفي أيلول/سبتمبر من العام نفسه، تعرض الضابط، خلال رحلة عمل إلى العاصمة البولندية وارسو، لنوبة أخرى من الألم الحاد، وصفها لاحقًا بأنها أشبه بتعرضه لضربات متكررة على الرأس بمضرب بيسبول. وعلى الرغم من تراجع النوبات لاحقًا، عانى لسنوات آلامًا عصبية مزمنة وإرهاقًا ومشكلات صحية أخرى.

“الحوادث الصحية الشاذة”

وتُعرف هذه الحالات باسم “متلازمة هافانا”، نسبة إلى العاصمة الكوبية التي شهدت أولى البلاغات الجماعية عن الظاهرة، بعدما أبلغ دبلوماسيون أميركيون هناك عن أعراض غير مألوفة، شملت الإحساس بأصوات غريبة وضغط وألم، أعقبتها في بعض الحالات أعراض صحية استمرت فترات طويلة.

ومع مرور الوقت، أبلغ عشرات من ضباط وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في مواقع مختلفة حول العالم عن حالات مشابهة، أطلق عليها رسميا اسم “الحوادث الصحية الشاذة”. واعتقد عدد من المتضررين أن الأعراض قد تكون ناجمة عن عملية استخباراتية روسية تستخدم سلاحًا غير معروف يعتمد على الطاقة الصوتية أو موجات الميكروويف النبضية، بهدف إصابة العملاء الأميركيين أو ترهيبهم.

لكن هذه الفرضية واجهت اعتراضات علمية واستخباراتية، إذ رأى باحثون أن الأدلة لا تكفي لإثبات وجود سلاح محمول قادر على إحداث تلك الإصابات، مشيرين إلى أن أعراضاً مثل الدوار والألم واضطرابات الإدراك قد تنتج عن أسباب متعددة، بينها العوامل البيئية والمواد السامة وبعض المؤثرات الصوتية، فضلاً عن احتمالات التفسير النفسي للأعراض.

وفي عام 2022، خلصت لجنة من الخبراء العلميين شكلتها الحكومة الأميركية إلى أن علامات وأعراض هذه الحوادث حقيقية ومقنعة، وأنها قد تكون ناجمة عن مؤثرات خارجية. غير أن تقييماً استخباراتياً أميركيًا صدر في العام التالي خلص إلى أن المعلومات المتاحة لا تشير، بصورة متسقة، إلى تورط خصوم الولايات المتحدة في تلك الحوادث، واعتبر أن احتمال وقوف حملة روسية وراءها “ضئيل للغاية”.

إلا أن الجدل عاد إلى الواجهة بعدما سُحب هذا التقييم لاحقا خلال إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إذ اعتبر أنه استند إلى تحليل معيب، ما أعاد فتح النقاش بشأن الأدلة التي استندت إليها التقديرات الرسمية السابقة.

شهادات وأدلة

وبحسب تحقيق نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية، يستعد الصحافيان مايكل ري وأوريانا زيل دي غراندوس، وهما من منتجي برنامج “60 دقيقة” على شبكة CBS الأميركية، لإصدار كتاب يعرض شهادات وأدلة يقولان إنها تدعم احتمال تورط روسيا في بعض حالات “متلازمة هافانا”، إلى جانب اتهامات لأجزاء من الحكومة الأميركية والأجهزة الاستخباراتية بحجب أدلة محتملة تتعلق بالقضية.

ونقل التحقيق عن ديفيد ريلمان، أستاذ جامعة ستانفورد الذي ترأس اللجنة العلمية الحكومية المعنية بـ”متلازمة هافانا” عام 2022، اعتقاده بأن مجموعة من الحالات يمكن تفسيرها، على نحو أكثر ترجيحاً، بالتعرض لطاقة الميكروويف النبضية. وأشار إلى أن اللجنة اطلعت على سجلات مرضى وأكثر من ألف وثيقة سرية متصلة بالقضية، مضيفًا أن مجمل الأدلة التي راجعها قد يقود إلى الاعتقاد بوجود تستر محتمل.

وقال الصحافيان إنهما بدءا متابعة القضية بعد ظهور تقارير عن إصابة موظفين في السفارة الأميركية بالعاصمة الكوبية هافانا، عقب استئناف العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وهافانا في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما. وأوضحا أن مسؤولًا دبلوماسيًا أميركيًا سابقًا أكد لهما صحة وقوع الحالات، وربطهما بأشخاص قالوا إنهم تعرضوا لهذه الأعراض.

ومع اتساع نطاق التحقيقات، ظهرت بلاغات مماثلة بين دبلوماسيين أميركيين في الصين ومواقع أخرى حول العالم، قبل أن يتواصل مع الصحافيَين أشخاص عملوا، أو لا يزالون يعملون، في مهام سرية لصالح وكالة الاستخبارات المركزية. وقال الصحافيان إن روايات عدد من هؤلاء الأشخاص تشابهت بصورة لافتة، رغم أنهم لم يكونوا يعرف بعضهم بعضًا.

وأشار التحقيق إلى أن عددًا من الحالات المشتبه بها ارتبط بأشخاص عملوا في ملفات تتقاطع مع المصالح الروسية. وشملت المواقع التي وردت في الشهادات كوبا وجورجيا وقيرغيزستان وصربيا وفيتنام، إضافة إلى ضباط عملوا في العاصمة الأوكرانية كييف خلال أحداث عام 2014، التي وصفها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنها انقلاب مدعوم من الولايات المتحدة.

صداع حاد ودوار وطنين في الأذنين

كما أورد التحقيق حالات تعود إلى ما قبل ظهور متلازمة هافانا في كوبا، من بينها حالة مايك بيك، وهو مسؤول في مجال مكافحة التجسس لدى وكالة الأمن القومي الأميركية، قال إنه أصيب بوعكة صحية خلال مهمة مؤقتة في تسعينيات القرن الماضي لفحص منشأة دبلوماسية أميركية والتأكد من خلوها من أجهزة التنصت.

وتضمن التحقيق كذلك شهادة باحثة عملت في أحد معاهد الدفاع الأميركية، قالت إنها شعرت بأعراض غير مألوفة خلال زيارة إلى بلغراد، شملت الدوار والغثيان والإحساس بفقدان التوازن، كما لاحظت اضطراباً في شاشة حاسوب حكومي محمول توقف عن العمل لاحقاً. وأضافت أنها عانت في الأسابيع التالية ضعفاً وصعوبة في الكلام وآلاماً حادة واضطرابات في التركيز، قبل أن تضطر إلى ترك وظيفتها، مشيرة إلى أنها لم تربط تجربتها بـ”متلازمة هافانا” إلا بعد فترة طويلة.

وفي حالة أخرى، تحدث مارك بوليميروبولوس، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، عن إصابته بصداع حاد ودوار وطنين في الأذنين خلال زيارة إلى موسكو في كانون الأول/ديسمبر 2017، حيث التقى مسؤولين من جهازي الاستخبارات الروسيين الخارجي (SVR) والأمن الفيدرالي (FSB).

وقال بوليميروبولوس إنه استيقظ ليلًا في فندقه وهو يعاني دواراً شديداً وصداعاً حاداً، معتقدًا في البداية أنه يعاني تسممًا غذائيًا. وبعد عودته إلى واشنطن، استمر الصداع النصفي لديه، بينما واجه صعوبة في إقناع رؤسائه بارتباط أعراضه بالحالات الأخرى المبلغ عنها. كما أوضح أن الطبيعة السرية لمهامه جعلت من الصعب عليه إطلاع الأطباء على تفاصيل تحركاته والظروف المحيطة بإصابته.

ويعيد تجدد هذه الشهادات قضية “متلازمة هافانا” إلى دائرة الجدل داخل الأوساط الاستخباراتية والعلمية الأميركية، بين من يرى أن بعض الحالات قد تعكس استخدامًا محتملًا لتقنيات متطورة لاستهداف العاملين في الأجهزة الأمنية والدبلوماسية، ومن يشدد على أن الأدلة المتاحة لا تزال غير كافية لإثبات المسؤولية الروسية أو تحديد آلية واحدة تفسر جميع الحالات.

شريط الأحداث