عندما فازت الحقوقية الجنوب أفريقية، نافي بيلاي، بجائزة نوبل للسلام لهذا العام، كانت تحضر مؤتمراً في محكمة نورمبرغ بألمانيا؛ وهو المكان الذي أرسَت فيه المحاكمة التاريخية للقادة النازيين -قبل نحو 80 عاماً- دعائم القانون الدولي الحديث.
وبينما كان زملاؤها في مجال حقوق الإنسان يصفقون ويهنئون القاضي السابقة في المحكمة الجنائية الدولية على فوزها، كان رد فعلها الأول ببساطة: “هل هذا حقيقي؟ ظننتُ الأمر مجرد مزحة”.
وبعد ساعات من فوز بيلاي، أعلنت إدارة ترامب عن فرض عقوبات جديدة على المحكمة الجنائية الدولية، وهي الهيئة التي أُنشئت عام 2002 لمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية.
وتعرض عمل مجتمع حقوق الإنسان والنظام القانوني الدولي لهجمات متزايدة في السنوات الأخيرة؛ وهي حقيقة حرصت لجنة نوبل على تسليط الضوء عليها في قرارها بتكريم بيلاي، البالغة من العمر 85 عاماً.
ومن خلال تسليط الضوء على بيلاي -التي عملت في عدة محاكم دولية وأشرفت على تقرير للأمم المتحدة خلص إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة- أوضحت اللجنة أنها تهدف إلى “تذكير العالم بأن سيادة القانون -سواء على الصعيد الوطني أو الدولي- تشكل الركيزة الأساسية للنظام الذي أرسِيناه لضمان السلام”.
العدالة “ضرورة” لتحقيق السلام
لم تكن تلك الرسالة موجهة صراحةً إلى دولة بعينها، لكنها انطوت -ضمنياً- على انتقاد لتلك الدول (وفي مقدمتها الولايات المتحدة) التي أدت ممارساتها إلى إضعاف المؤسسات القانونية الدولية.
وفي إطار مساعيها لـ “تفكيك” المحكمة الجنائية الدولية “لبنةً تلو الأخرى” -على حد تعبير وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو- أعلنت إدارة ترامب، الجمعة، عن فرض عقوبات على المحكمة ذاتها، وقال روبيو في بيان صدر بعد ساعات من الإعلان عن جائزة نوبل للسلام: “سنحظر التعاملات مع هذه المحكمة المارقة، ونقطع عنها مواردها، ونشلّ قدرتها على العمل”.
ومن شأن هذا الإجراء أن يقطع صلة المحكمة بالشركات الأميركية وخدمات القطاع المالي في الولايات المتحدة.
وقد أصدرت وزارة الخزانة الأميركية قراراً بمنح الشركات مهلة استثنائية مدتها ستة أشهر لتصفية أعمالها وعلاقاتها مع المحكمة.
وقد قوبل هذا الإجراء واسع النطاق بانتقادات فورية من جانب المحكمة ودول أخرى.
وأدانت المحكمة الجنائية الدولية هذه الخطوة واعتبرتها “اعتداءً على سيادة القانون وعلى الأسس الجوهرية للنظام القانوني الدولي”، كما دعت الدول الأخرى إلى دعم المحكمة وشددت على أن عملها سيستمر.
وفي بيان مشترك، أكد وزراء خارجية كل من كندا والدنمارك وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان وهولندا والمملكة المتحدة مجدداً دعمهم “المستمر والثابت” للمحكمة.
وكان عدد من المدعين العامين في المحكمة قد تعرضوا بالفعل لعقوبات أميركية بعد أن أصدرت المحكمة مذكرات اعتقال بحق رئيس حكومة العدو الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير الحرب السابق، يوآف غالانت، في عام 2024.
ويعود استياء الإدارة الأميركية من المحكمة الجنائية الدولية إلى ولاية ترامب الأولى، حين استهدفت الإدارةُ المحكمةَ بسبب سعيها للتحقيق في ملفات ارتكاب القوات الأميركية جرائم حرب في أفغانستان. وقد فرضت إدارة ترامب الثانية حزمة من العقوبات على مسؤولين في المحكمة رداً على محاولاتهم التحقيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل.


