الرئيسيةشريط الاحداثاليمن يدخل مرحلة تصعيد جديدة.. معركة باب المندب تعيد رسم خريطة الحرب

اليمن يدخل مرحلة تصعيد جديدة.. معركة باب المندب تعيد رسم خريطة الحرب

دخلت الحرب اليمنية مرحلة تصعيد ميداني هي الأعنف منذ فترة، بعدما انتقلت المواجهات مجدداً إلى الساحل الغربي ومحيط مضيق باب المندب، بالتزامن مع هجمات صاروخية ومسيّرة على أهداف في السعودية ومطار عدن، فيما تخوض القوات الحكومية المدعومة من السعودية معركة لاستعادة المناطق التي تقول إنها خسرتها لمصلحة أنصار الله خلال الأسابيع الماضية.

ولا يبدو المعركة الحالية مجرد جولة جديدة في الحرب اليمنية المستمرة منذ عام 2014، إذ بات باب المندب نفسه في قلب الصراع، بما يحمله من أهمية عسكرية واقتصادية واستراتيجية تتجاوز اليمن إلى البحر الأحمر وقناة السويس وحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.

وفي الوقت نفسه، تتسع الكلفة الإنسانية. وتقول منظمة الصحة العالمية إن التصعيد الأخير أدى، وفق أحدث الأرقام المتاحة، إلى مقتل ما لا يقل عن 959 شخصاً وإصابة أكثر من 4200، فيما أعلنت المنظمة الدولية للهجرة نزوح أكثر من 184 ألف شخص منذ تجدد القتال.

 

ماذا حصل في باب المندب؟

لفهم التطورات الحالية، يجب العودة إلى الأسابيع الماضية.

في أيلول، تمكنت قوات “أنصار الله” من التقدم على الساحل الغربي والسيطرة على مدينة المخا ومينائها ومناطق في محيط باب المندب، وصولاً إلى جزيرة ميون ومواقع أخرى في المنطقة، وفق تقارير أممية وإعلامية. وأكد المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ في أيلول أن “أنصار الله” سيطروا على المخا، التي تبعد نحو 75 كيلومتراً عن باب المندب، ما منحهم وجوداً مباشراً على مقربة من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وهنا تغيرت طبيعة المعركة.

فباب المندب ليس مجرد منطقة يمنية أخرى؛ هو نقطة اختناق بحرية تصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وبالتالي فإن أي طرف يملك مواقع عسكرية قوية على الساحل اليمني المقابل للمضيق يستطيع التأثير في أمن الملاحة وحركة السفن، حتى وإن كان الحديث عن “السيطرة على المضيق” بمعناه الكامل يحتاج إلى تدقيق، لأن المضيق يمتد أيضاً في الجانب المقابل باتجاه جيبوتي ولا يخضع بكامله لسيطرة طرف يمني واحد.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن باب المندب يشكل ممراً أساسياً للغذاء والوقود والبضائع بين آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا، وأن أي اضطراب فيه يمكن أن يرفع تكاليف النقل والتأمين والأسعار عالمياً.

 

الحكومة تطلق “فجر اليمن”

في 4 تشرين الأول، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي إطلاق عملية عسكرية واسعة تحت اسم “فجر اليمن”، بهدف استعادة المناطق التي تسيطر عليها “أنصار الله”.

وتقول الحكومة إن العملية لا تقتصر على باب المندب، بل تهدف في النهاية إلى استعادة الأراضي التي تسيطر عليها الجماعة، بما فيها صنعاء.

وفي اليوم التالي، أعلنت القوات الحكومية المدعومة سعودياً أنها استعادت السيطرة على مناطق استراتيجية في ذباب، وهي منطقة تطل مباشرة على باب المندب، كما أعلنت السيطرة على مواقع محيطة بالمضيق وقطع طرق الإمداد بين ذباب والمخا.

وبحسب الرواية الحكومية، تقدمت قوات “درع الوطن” و”ألوية العمالقة” بدعم جوي سعودي، وسيطرت على مطار ذباب ومواقع عسكرية، فيما أعلنت مصادر عسكرية أن مقاتلين من أنصار الله حوصروا في المنطقة وفر بعضهم بالقوارب.

كما أعلنت وزارة الدفاع اليمنية سقوط المخا، فيما تحدثت مصادر حكومية عن انسحاب مقاتلي أنصار الله باتجاه المناطق الجبلية.

لكن هذه الصورة لم تُحسم بصورة مستقلة بالكامل، لأن الرواية المقابلة مختلفة جذرياً.

“أنصار الله” رفضوا ما وصفوه بـ”الانتصارات الإعلامية” للقوات الحكومية، وقال المتحدث العسكري للجماعة إن قواتها ما زالت تحتفظ بمكاسبها الميدانية، نافياً الرواية القائلة بأن القوات الحكومية استعادت بصورة كاملة المناطق التي خسرتها الجماعة.

وبحسب ما نقلته مصادر إعلامية عن الجماعة، فإن القوات الحكومية لم تحقق الاختراق الذي تعلنه، وأن المعارك لا تزال مستمرة وأن الحديث عن السيطرة الكاملة على باب المندب سابق لأوانه.

وهنا تحديداً يجب الحذر في التعامل مع عبارة “استعادة باب المندب”: فهي حتى الآن عنوان في الرواية الحكومية أكثر مما هي حقيقة ميدانية نهائية محسومة من مصادر مستقلة.

هناك بالفعل مؤشرات على تقدم القوات الحكومية في ذباب ومواقع على مقربة من المضيق، لكن مدى السيطرة الفعلية على كامل المنطقة، وقدرتها على تثبيتها، لا يزال موضع نزاع.

 

لماذا باب المندب بهذه الأهمية؟

المضيق هو الحلقة التي تربط:

البحر الأحمر ← باب المندب ← خليج عدن ← المحيط الهندي.

ومن الجهة الشمالية يتصل البحر الأحمر بقناة السويس، ما يجعل الطريق الممتد من آسيا إلى أوروبا عبر باب المندب وقناة السويس واحداً من أهم طرق التجارة العالمية، ولهذا فإن المعركة ليست فقط على مدينة أو منطقة يمنية.

بالنسبة إلى الحكومة والسعودية، فإن إبقاء باب المندب وموانئ الساحل الغربي بعيداً عن سيطرة أنصار الله يعني حماية الملاحة ومنع تحويل الساحل اليمني إلى منصة ضغط عسكري على البحر الأحمر.

أما بالنسبة إلى “أنصار الله”، فإن الموقع الجغرافي للساحل الغربي يمنحهم ورقة استراتيجية في مواجهة السعودية، خصوصاً بعدما أصبحت الجماعة تربط نشاطها البحري والسياسي بملفات إقليمية أوسع.

وقد نشرت “المسيرة”، وهي من أبرز وسائل الإعلام التابعة لـ”أنصار الله”، تحليلات تعتبر باب المندب ورقة استراتيجية في مواجهة السعودية، وتقدم السيطرة أو القدرة على التأثير في الملاحة باعتبارها وسيلة لفرض معادلة ضغط مقابلة على الرياض.

وفي المقابل، تؤكد الرياض أن القضية تتعلق قبل كل شيء بأمن الملاحة الدولية ومنع استخدام المضيق لتهديد السفن.

 

الرواية السعودية: المعركة لحماية الملاحة

السعودية لا تقدم تدخلها الحالي على أنه مجرد دعم للقوات الحكومية اليمنية.

المتحدث باسم التحالف تركي المالكي قال إن العمليات السعودية تستهدف حماية أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، واتهم أنصار الله بالتحضير لهجمات ضد الممرات البحرية.

وفي 5 تشرين الأول، أعلن التحالف تنفيذ عملية بحرية في محافظة الحديدة، قال إنها دمرت مخازن أسلحة ومستودعات زوارق مفخخة وألغاماً بحرية، وأحبطت هجمات وشيكة على الممرات المائية جنوب البحر الأحمر.

والسعودية تقول أيضاً إن هجمات “أنصار الله” على الأراضي السعودية والبنى التحتية المدنية والعسكرية، إضافة إلى التهديدات للملاحة، تجعل التدخل العسكري جزءاً من حقها في حماية أمنها.

وفي بيان رسمي، قالت الرياض إن استمرار دعم الحكومة اليمنية يهدف إلى “استعادة الدولة”، وإنها تعتبر تهديد باب المندب والملاحة الدولية مسألة تتجاوز اليمن إلى الأمن الإقليمي والدولي.

وفي 6 تشرين الأول، جدد مجلس الوزراء السعودي دعمه لمجلس القيادة الرئاسي اليمني، وقال إن أنصار الله اختاروا التصعيد العسكري، واتهمهم بتهديد أمن الملاحة في جنوب البحر الأحمر وباب المندب.

 

في موازاة معركة الساحل، توسعت المواجهات إلى مناطق أخرى.

“أنصار الله” أعلنوا تنفيذ هجمات صاروخية ومسيّرة باتجاه أهداف في السعودية، بينها مطارات ومنشآت عسكرية ومواقع اقتصادية.

واليوم الأربعاء، قالت السعودية إنها اعترضت صاروخاً بالستياً أُطلق باتجاه شمال الرياض، إضافة إلى صاروخ آخر باتجاه خميس مشيط، وقال التحالف إنه يتتبع منصات الإطلاق في مناطق خاضعة لأنصار الله.

وفي التطور الأحدث، تعرض مطار عدن الدولي لهجوم بصاروخين بالستيين، وفق السلطات اليمنية، ما أدى إلى تعليق حركة المطار وتحويل رحلة كانت قادمة من القاهرة، من دون تسجيل خسائر بشرية في الهجوم بحسب المعلومات المتاحة.

وفي المقابل، تقول مصادر مرتبطة بأنصار الله إن الجماعة استهدفت مواقع سعودية رداً على العمليات الجوية والبرية.

فإذا تمكنت القوات الحكومية من تثبيت سيطرتها على ذباب والمخا ومحيط باب المندب، فإنها تكون قد قلصت قدرة أنصار الله على الوصول إلى البحر الأحمر من هذه المنطقة، وقطعت جزءاً مهماً من المكاسب التي حققتها الجماعة خلال أيلول.

ولهذا فإن المخا وذباب وجزيرة ميون والساحل المحيط بباب المندب باتت حالياً أهم النقاط التي يجب مراقبتها.

الخسائر البشرية

الأمم المتحدة تحدثت عن أكثر من 152 ألف نازح في بداية تشرين الأول، ثم ارتفع الرقم الذي أعلنته المنظمة الدولية للهجرة إلى أكثر من 184 ألفاً مع استمرار التصعيد. وتحدثت الأمم المتحدة عن عائلات اضطرت إلى النزوح للمرة الثانية والثالثة والرابعة، خصوصاً في مناطق الساحل الغربي وتعز ولحج.

كما أن منظمة الصحة العالمية حذرت من أن النظام الصحي اليمني، المنهك أصلاً بعد أكثر من عقد من الحرب، يتجه نحو نقطة الانهيار مع ارتفاع أعداد القتلى والجرحى.

شريط الأحداث