لم يكن وصول الوفد الوزاري السوري إلى بيروت، للمشاركة في المنتدى اللبناني ـ السوري للاستثمار، مجرد مناسبة اقتصادية تعكس انفتاحاً جديداً بين بيروت ودمشق. خلف المشهد الاقتصادي، برزت مجدداً مسألة أكثر حساسية تتصل بطريقة إدارة السلطة التنفيذية في لبنان، وحدود الأدوار بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، استناداً إلى اتفاق الطائف.
صحيفة “الأخبار” ذكرت أن رئيس الحكومة نواف سلام لم يكن على علم بالمنتدى إلا قبل نحو 48 ساعة فقط من وصول الوفد السوري.
المفارقة أن الحدث لم يكن لقاءً خاصاً بين رجال أعمال لبنانيين وسوريين، بل منتدى جمع وفداً حكومياً سورياً ضم عدداً من الوزراء والمسؤولين، وأقيم برعاية رئيس الجمهورية جوزاف عون.
ومع ذلك، لم تمرّ التحضيرات عبر القنوات الحكومية اللبنانية بالشكل المعتاد، فيما وجد رئيس الحكومة نفسه أمام زيارة رسمية لوفد حكومي سوري قبل وقت قصير من حصولها، ما استدعى تدخلاً سريعاً من رئاسة الحكومة لتدارك الترتيبات واستقبال الوفد.
ولا يمكن حصر الموقف بـ”سوء تنسيق” بين بعبدا والسرايا، فالمشهد ربطاً بملف المفاوضات والزيارات الخارجية، يضع علامات استفهام حول مدى تجاوز الرئاسة الأولى لاتفاق الطائف، وتحييد الحكومة عن الكثير من الأدوار التي يفترض أن تكون شريكة فيها.
المشكلة ليست في أن يرعى رئيس الجمهورية منتدى أو يستقبل وفداً أجنبياً؛ فهذا يدخل ضمن موقعه كرئيس للدولة ورمز لوحدة الوطن، كما أن الدستور يمنحه أدواراً محددة في العلاقات الخارجية. المشكلة تبدأ عندما تتحول الرعاية إلى إدارة مباشرة لملف ذي طابع حكومي، فيما تكون الحكومة، أو رئيسها، خارج دائرة التحضير والتنسيق الأساسي. عندها لا يعود النقاش متعلقاً بالبروتوكول، بل بحدود ممارسة الصلاحيات التي أعاد الطائف توزيعها بين الرئاسات.
وما يجعل الواقعة أكثر دلالة هو أن الخطاب الرسمي نفسه يتحدث عن انتقال العلاقات اللبنانية ـ السورية إلى “قوالب مؤسساتية وتنفيذية”. لكن إذا كانت هذه العلاقة ستأخذ طابعاً حكومياً، فإن الحكومة اللبنانية يفترض أن تكون في صلبها، لا أن يجري استدراك حضورها في اللحظات الأخيرة.
وفي هذا السياق، يصبح تغييب رئاسة الحكومة عن التحضير لزيارة وفد وزاري عربي أكثر من تفصيل بروتوكولي. فإذا تكررت مثل هذه الممارسات، قد تتحول تدريجياً إلى عرف سياسي يضعف الدور الذي أعطاه الطائف لرئاسة الحكومة ومجلس الوزراء، ويعيد إلى رئاسة.


