الرئيسيةSliderهل يفوز ترامب في "إسرائيل"؟

هل يفوز ترامب في “إسرائيل”؟

| جورج علم |

بين واشنطن وتل أبيب كلامٌ من نوعٍ آخر عنوانه: ترسيم الأدوار والمصالح.

هناك حسابات جارية في خضم المعركة الانتخابيّة، سواء في واشنطن أو تل أبيب، وإن كان المشهد الإسرائيلي أكثر حماوة بين الأحزاب الإسرائيليّة المتطرّفة؛ إذ تُعتبر الانتخابات العامة المتوقع أن تجري نهاية الشهر المقبل مفصليّة.

ويعتبر بعض الإعلام الإسرائيلي أن الانتخابات سترسم معالم العلاقة المستقبليّة مع الولايات المتحدة، وحدود التحالف وحجمه، وطبيعة النفوذ والتأثير على القرارات المصيريّة. وهناك انقسام واضح بين من يؤيد توثيقها والدخول عمليّاً في شراكة فعليّة تُعزّز موقع “إسرائيل” في الشرق الأوسط الذي تمخر عبابه اليوم الأساطيل والمصالح الأميركيّة، وبين من يؤيد ترك البارجة الأميركيّة والصعود إلى المركب الإسرائيلي المستقل، وتكريس نوع من استقلالية القرار.

ويكشف الكلام حول “صفقة” أميركيّة لتزويد “إسرائيل” بالقنابل، عن مدى اهتمام إدارة الرئيس دونالد ترامب بمسار الانتخابات الإسرائيليّة، والخيارات المطروحة، وأولويات الحكومة الجديدة، ومواصفات “الفجر” الذي سينبلج على تل أبيب، وما يفترض أن يحمله من تغييرات لا بد منها لكبح السياسة التوسعيّة التي تعتمد على القوة المفرطة بالمطلق لترسيم حدود الأدوار والمصالح والخيارات.

ويبدو أن التوقيت يكتسب قدراً من الأهميّة، كون الكلام عن “الصفقة” يقرع بابين انتخابيين دفعة واحدة، سواء في تل أبيب أو واشنطن؛ ذلك أن رغبة الإدارة الأميركيّة بإرسال أسلحة إلى “إسرائيل” بقيمة نحو 3 مليارات دولار (وتشمل 40 ألف قنبلة زنة الواحدة منها 2000 رطل، أي نحو 907 كيلوغرامات)، هي موجهة حصراً لمواجهة التيار المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو الذي يدعو “إلى التحرّر من الاعتماد العسكري على الولايات المتحدة، وبناء منظومة تسليح مستقلة”.

كما تدقّ “الصفقة” أبواب الانتخابات النصفيّة للكونغرس الأميركي في تشرين الثاني المقبل، كونها تعزّز فرص الجمهوريّين في مواجهة الديمقراطيّين، وهذا ما دفع كبير الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجيّة بمجلس النواب، غريغوري ميكس، إلى انتقاد “الصفقة” ومعارضتها متذرّعاً بالقول: “إن بيع قنابل زنة 2000 رطل لإسرائيل يثير مخاوف من عدم استخدام هذه الذخائر بما يتسق مع القانون الدولي”.

بالمقابل، جاهر جاريد كوشنر، صهر ترامب، بمعارضته ولكن من منطلقات مغايرة، معتبراً “أن الصفقة وفي هذا التوقيت وعلى أبواب الانتخابات، تخدش جروحاً عميقة لم تندمل بعد بين ترامب ونتنياهو، خصوصاً وأن الإثنين لا يقرآن في كتاب واحد منذ الإعلان عن خطة السلام الخاصة بقطاع غزّة”.

وكان نتنياهو قد أطلق تصريحات بشأن ضرورة التحرّر من الاعتماد العسكري على الولايات المتحدة وبناء منظومة تسليح مستقلة في عدّة مناسبات، وتحديداً خلال كلمته في حزيران الماضي أمام دورة ضباط قتاليين من الاحتياط، وفي مقابلات صحفيّة مطلع العام 2026 أعلن فيها رغبته في تقليص المساعدات العسكريّة الأميركيّة تدريجيّاً وصولاً إلى الصفر خلال عقد من الزمن.

ومع اقتراب موعد الذكرى الثالثة لـ “طوفان الأقصى” (7 تشرين الأول 2023)، يحتدم الصراع بين الأحزاب الإسرائيليّة المتنافسة حول شبكة واسعة من الأولويات الداخليّة الشائكة والمتشابكة، ويرتبط معظمها بالحروب الدائرة في المنطقة وانعكاساتها المستقبليّة. إلا أن “الصفقة” الأميركيّة وفي هذا التوقيت تؤكد مدى الاهتمام بالشأن الإسرائيلي وانعكاسه على المحيط، بعدما انتهج الطرفان مساراً متعرّجاً معقّداً تخللته واحات من التفاهم والتعاون، كما تخللته منعرجات متصادمة توحي بالافتراق. والدليل أن الرئيس الأميركي انتقل في مرحلة من المراحل إلى توبيخ نتنياهو حول مجريات الأمور في قطاع غزّة، بعد مدى من التفاهم والتعاون على التنكيل بالقطاع تحت شعار الانتقام من “حماس”.

ومع إعلان “مجلس السلام” برئاسة ترامب عن خطة تعافٍ وإعادة إعمار في قطاع غزّة بقيمة أولية 2.45 مليار دولار تمتد لمدة ستة أشهر، تغيّر المزاج وأعلن نتنياهو المعارضة، ووضع سلّة طافحة بالمطالب التعجيزيّة برسم البيت الأبيض وعلى قاعدة الأخذ بها كشرط لا بد منه للموافقة على التعاون مع رؤية ترامب.

وطفح الكيل بعد الحرب المشتركة الأميركيّة ـ الإسرائيليّة على إيران؛ حيث وضع نتنياهو شروطاً لإنهائها لا تتلاءم والمصالح الأميركيّة، فكان تباين واضح في مواقف الطرفين أدى إلى تصادم في وجهات النظر وترك ترددات عنيفة عبر أثير الإعلام، خصوصاً عندما أقدم ترامب على “اعتقال” رئيس الوزراء الإسرائيلي معنويّاً، حيث وضعه في “زنزانة الترقب” ومنعه من القيام بأي عمل عسكري متفرّد ضد طهران، وأقصاه عن جلسات المفاوضات وما يدور في كواليسها من خفايا وخبايا وسيناريوهات حول صفقات وتسويات.

وحطّ السيل من علٍ بين الطرفين في جنوب لبنان؛ حيث المواقف متباعدة:

  • أولاً: حول “اتفاق الإطار”. يقول الأميركيون إن نتنياهو وافق عليه رغماً عنه كي لا يغضب ترامب، الذي أصرّ على استمرار مسار المفاوضات وعلى أن يكون “الاتفاق” هو المحور والقاعدة والنقطة المركزيّة التي ينطلق منها التفاوض لتحقيق الأهداف المرسومة والمرجوة.
  • ثانياً: كان هناك تفاهم حول إضعاف بنية “حزب الله” في جنوب الليطاني، ثم كان خلاف حول الأهداف والمقاصد بعدما تأكدت الإدارة الأميركيّة من أن نتنياهو “يستغل” ادعاءاته في مواجهة الحزب لتحويل الجنوب إلى أرض محروقة خالية من البشر والشجر بغية اقتطاعه وتحويله إلى “جولان لبنان” ووصله “بجولان سوريا”، على أمل أن يعترف ترامب لنتنياهو به على غرار ما سبق وفعل عندما اعترف له بـ”جولان سوريا”. ولكن يبدو لغاية الآن أن البيت الأبيض ليس على هذه الموجة، والدليل أنه أنذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بشطب الخريطة التي كان قد نشرها “الليكود” رسمياً ويظهر فيها جنوب لبنان كجزء من أراضي الاحتلال!
  • ثالثاً: يتفق ترامب ونتنياهو على ترحيل قوات “اليونيفيل” من الجنوب، ويختلفان حول القوة البديلة وجنسياتها والدور الذي سيسند إليها. ويختلفان حول دعم الجيش اللبناني؛ إذ إن نتنياهو يضغط لكي يكون الدعم مشروطاً بخطوات تنسيقيّة عملانية مع جيش الاحتلال تحت شعار تحقيق الأمن المطلوب في الجنوب، في حين أن إدارة ترامب لا تريد ـ لغاية الآن ـ أن يكون أمن الجنوب تحت مظلّة إسرائيليّة وارفة بالادعاءات والمبررات، بل تحت مظلّة الجيش اللبناني المدعوم من الولايات المتحدة وبعض الدول الحريصة على مصالحها في لبنان.

ومع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية والذكرى الثالثة لـ “طوفان الأقصى”، يبقى السؤال: من يفوز في انتخابات “إسرائيل”… “خيار ترامب” أم “خيار نتنياهو”؟!

شريط الأحداث