في مكانٍ كان يفترض أن يكون مدرسة، يجلس أطفال أمام أستاذهم.
لا جدران مكتملة تحيط بهم، ولا صف يشبه الصفوف التي نعرفها، ولا مقاعد في بيئة تعليمية طبيعية، وعلى أرض ترابية.
خلفهم آثار الدمار، وفوقهم سقف يستند على جدران أحلامهم، وأمامهم أستاذ يحاول أن يشرح درساً، وكأن العالم خارج هذه المساحة الصغيرة ما زال طبيعياً.
صورة خرجت من برج قلاويه، قرية جنوبية في قضاء بنت جبيل، لكنها في الحقيقة صورة الجنوب كله حين يحاول أن يعلّم العالم بأسره، كيف يكون حب الحياة.

في هذه الصورة، لا يبدو الركام هو المشهد الأكثر قسوة. الأكثر قسوة أن ترى طالباً يحاول أن يتعلّم في مكان حُرم من أبسط مقومات المدرسة. أن يحمل حقيبته ودفاتره، ويجلس حيث يستطيع، فيما يفترض أن تكون الدولة قد أمّنت له غرفة آمنة، ومقعداً، ومدرسة تحفظ له حقه الطبيعي في أن يتعلم بعيداً عن الخوف والدمار.

لكن الأستاذ يقف.. يشرح، يكتب، ويتابع طلابه، وكأن التعليم آخر ما يمكن السماح للحرب بأن تنتزعه منهم.
الأشد إيلاماً أن المشهد لم يعد استثنائياً. في مناطق واسعة من الجنوب، تحمل المدارس آثار الحرب، بعضها تضرر، وبعضها دمرته “إسرائيل” ببربريتها”، وبعضها لم يعد صالحاً لاستقبال الطلاب كما كان من قبل. ومع ذلك، يعود المعلمون والطلاب إلى محاولة بناء يوم دراسي من بين الأنقاض.

هدمت “إسرائيل” بيوتهم وقراهم ومدارسهم، لكنها حتماً لم تتمكن من هدم أحلامهم.
تطاولت على السطر، لكنها لن تسقط الكلمة.
سرقت منهم أياماً، ولكن لن تسرق العمر.. وسلبت منهم الأمان، لكن لا يمكن أن تسلب المستقبل.
في الجنوب الذي اعتاد أن يخرّج الأوائل على لبنان، وأبناء الجنوب الذين اعتادوا أن يحملوا الشهادات العليا، لا يمكن أن تقف آلة الموت الإسرائيلية بوجه تلك الأحلام الكبيرة.



