الرئيسيةSliderمارك ضو يبتز المودعين: السلام مع "إسرائيل" مقابل أموالكم!

مارك ضو يبتز المودعين: السلام مع “إسرائيل” مقابل أموالكم!

“لنردّ المصاري للمودعين، لازم يكونوا كل المودعين مع السلام”.

بهذه العبارة اختصر النائب “التغييري” مارك ضو واحدة من أكثر القضايا حساسية في لبنان، وربط، بصورة لا تحتمل كثيرًا من التأويل، بين حق المودعين في استعادة أموالهم وبين موقفهم من “السلام” مع العدو الإسرائيلي.

تصريح لا يحتاج إلى كثير من الشرح كي تتضح خطورته، لأن السؤال البديهي الذي يفرض نفسه هنا هو: بأي حق يُطلب من صاحب الوديعة أن يثبت أولًا موقفه السياسي كي يستعيد ماله؟ ومن أعطى نائبًا في مجلس النواب اللبناني صلاحية وضع جنى عمر الناس على طاولة التفاوض السياسي؟

وإذا كنت مودعاً سرقت السلطة أموالك، فعليك أن تصافح من قتل أولادك لتستعيدهم!

المفارقة أن هذا الكلام يأتي من نائب دخل البرلمان من بوابة “التغيير”، ومن موجة شعبية رفعت في أساسها شعارات محاسبة المنظومة السياسية والمصرفية، واستعادة حقوق الناس، وفي مقدمتها أموال المودعين التي تحولت منذ الانهيار المالي إلى واحدة من أكبر المظالم التي يعيشها اللبنانيون.

هؤلاء المودعون لم يطلبوا من نواب التغيير أن يختاروا عنهم خياراتهم السياسية، ولم ينتخبوهم كي يصبحوا أوصياء على قناعاتهم. انتخبوهم، في جزء أساسي من هذه اللحظة، لأنهم أرادوا من داخل المجلس النيابي من يواجه منظومة أوصلتهم إلى المصارف التي أغلقت أبوابها في وجههم، وإلى حسابات فقدت قيمتها، وإلى سنوات من الانتظار والمماطلة والوعود.

لكن يبدو أن بعض شعارات “التغيير” لها عمر افتراضي ينتهي بمجرد الوصول إلى المقعد النيابي، أو كانت مجرد وسيلة للوصول إلى البرلمان. فبدل أن يكون السؤال: كيف نعيد أموال المودعين؟ يصبح السؤال، بحسب منطق تصريح ضو: هل المودعون جميعًا مع السلام؟ وكأن المواطن الذي خسر مدخراته، أو تعويض نهاية خدمته، أو أموال عمره، عليه أن يمر أولًا من بوابة سياسية، حتى اللحظة هي مخالفة للدستور، حتى يحصل على حقه. وكأن الوديعة لم تعد مالًا لصاحبها، بل مكافأة سياسية يمكن ربطها بموقفه من ملف إقليمي أو سيادي.. وقبل كلّ ذلك، موقف أخلاقي!.

الخلاف مع مارك ضو خلافًا ليس فقط حول السلام أو الحرب، ولا حول التطبيع، يمكن أن يكون التطبيع مع العدو الإسرائيلي مشروع سياسي له كان السبب بوصوله إلى قبّة البرلمان، لكن المرفوض تماماً أن يحوّل حقًا ماليًا ثابتًا للمواطن إلى ورقة ضغط سياسية لتثبيت مشروعه، وهو أقرب ما يكون بالإبتزاز.

والأكثر استفزازًا في هذا الخطاب أنه يأتي في بلد لم تُحسم فيه بعد مسؤوليات الانهيار المالي، ولم تُسترد فيه حقوق المودعين، ولم يُحاسب فيه كل من أوصل القطاع المصرفي والاقتصاد إلى هذه الكارثة. فبدل أن نسمع من نائب “تغييري” كلامًا عن تحميل المسؤوليات لمن تسبب بالانهيار، وعن حماية ما تبقى من حقوق المودعين، نسمع معادلة تربط إعادة الأموال بمشروع اقليمي. فهل هكذا تكون حماية المودع؟ وهل هكذا تُبنى الدولة التي قيل للبنانيين إن التغيير سيأتي لإقامتها؟

والتصريح يفتح بابًا بالغ الخطورة أمام أسئلة سياسية لا يجوز إسكاتها. إذا كان السلام شرطًا لإعادة الأموال، فما العلاقة تحديدًا بين الأمرين؟ وهل المطلوب أن يُفهم اللبناني أن أمواله لن تعود إليه إلا إذا تغيّر موقفه الوطني؟ وهل أصبحت الودائع أداة ضغط على الناس في خياراتهم الوطنية؟ ومن يملك أصلًا قرار إعادة هذه الأموال حتى تُربط بشروط من هذا النوع؟ وهل كان احتجاز أموال المودعين مجرد نتيجة للانهيار المالي، أم أن خطوة ضمن مشروع متكامل هدفه الوصول إلى اللحظة التي تقول لا أموال إلا بالسلام؟!

من حق اللبنانيين أن يطرحوا هذه الأسئلة عندما يأتي نائب ويضع في كلامه صلة مباشرة بين أموالهم وبين موقف سياسي. ومن واجب مارك ضو، قبل غيره، أن يشرح للبنانيين ماذا قصد.

أما السؤال الذي يجب أن يُطرح على زملائه في مجلس النواب وعلى نواب التغيير تحديدًا، فهو: هل سيمر هذا الكلام كأنه عادي؟ هل سيصدر موقف واضح يرفض تحويل حقوق المودعين إلى أداة ابتزاز سياسي؟ وهل سيُطلب من مارك ضو توضيح موقفه أمام اللبنانيين، أم أن صفة “النائب التغييري” تكفي لإعفائه من الأسئلة التي كان يفترض أن يوجهها هو إلى السلطة؟

هذه ليست مسألة هامشية، لأن الخطير في هذا النوع من الخطاب أنه يقلب المعادلة بالكامل. بدل أن تكون الدولة مسؤولة عن حماية المواطن وحقوقه، يصبح المواطن هو المطلوب منه أن يقدم شيئًا مقابل استعادة حقه. بدل أن يُحاسب من صادر أمواله، يُطلب من صاحب المال أن يغيّر موقفه. وبدل أن يكون السؤال عن المصارف وعن الدولة وعن المسؤولين عن الانهيار، يصبح السؤال عن قناعة المودع السياسية.

في النهاية، لا أحد يملك أموال المودعين حتى يساومهم عليها. لا مصرف، ولا حكومة، ولا مجلس نواب، ولا نائب.. ولا حتى أصحاب الودائع!

 

شريط الأحداث