| غاصب المختار |
لمن لا يعرف تاريخ تلال “علي الطاهر” في منطقة النبطية، فهو كان يُعرف قديماً باسم “جبل طُرّة”، تيمّناً بعين الماء الغزيرة التي تتوسطه، قبل أن تتحول التسمية مع مرور الزمن إلى “جبل الطهرة”، وفق ما ذكره الشيخ إبراهيم سليمان في كتابه “بلدان جبل عامل”. تقع على ارتفاع ستمئة متر فوق سطح البحر، متصلة بتلال كفرتبنيت والدبشة، وتشرف على مدينة النبطية وقراها العاملية، وهو، كما ورد في المصادر العاملية، “حارس أبدي للذاكرة والتراب”.
لم يكن هذا التل يوماً مجرد بقعة جغرافية استراتيجية فحسب؛ فقد كان لعدة قرون منارة للسكينة، ومقصداً للنفوس التي أتت طلباً للبركة عند مقام “علي الطاهر”، ذلك الرجل الذي عاش في ذاكرة الجبل رمزاً للخير والزهد، وبقي ضريحه، الذي رمّمه الحاج علي هلال يوماً، وذكره الرحالة إدوارد روبنسون، شاهداً على علاقة متجذّرة بين الإنسان والأرض.
ومع احتلال “إسرائيل” للجنوب وأكثر من نصف لبنان سنة 1982، تحوّل “تل علي الطاهر” والتلال المجاورة، من مساحة للسكينة الروحية إلى قمة مشتعلة بعمليات المقاومة حتى التحرير عام 2000، حفظاً لإرث الأجداد، برغم أن الاحتلال حوّله إلى مركز عسكري استراتيجي محصّن، وقام بتخريب كل ما فيه، ثم أقدم على تدمير المقام.
وفي تاريخ جبل عامل، تكثر المقامات المنسوبة إلى أولياء وصالحين وشخصيات دينية ارتبطت بالذاكرة المحلية، ويُعدّ مقام علي الطاهر واحداً من هذه المقامات التي يمتزج فيها التاريخ بالرواية الشعبية. وتستند معظم المعلومات المتداولة عنه بين أهالي منطقة النبطية إلى المرويات الشفوية التي تصفه بأنه رجل صالح عُرف بالتقوى والزهد، ولذلك لُقّب بـ”الطاهر”. إلا أن البحث في المصادر التاريخية لا يكشف عن وجود وثائق مدوّنة، عثمانية أو مملوكية، تحدد على نحو دقيق هويته أو تاريخ وفاته. وقد ورد ذكره في بعض المؤلفات العاملية بوصفه معلماً جغرافياً وروحياً بارزاً مرتبطاً ببلدتي كفرتبنيت والنبطية الفوقا، أكثر من كونه شخصية حظيت بترجمة مستقلة في كتب التراجم والسير، الأمر الذي يجعل شخصيته تقع في المنطقة الفاصلة بين التاريخ الموثق والذاكرة الشعبية المتوارثة.
وحول هوية صاحب المقام، تتعدد الروايات؛ فبينما يُشار إليه بكونه عبداً صالحاً أو عالماً زاهداً، ثمة رواية مفادها أن التلة كانت مزرعة لرجل عُرف بأعمال الخير، يُدعى الحاج علي غملوش، الذي دُفن فيها بعد وفاته، لتنطلق شهرته بـ”علي الطاهر” عقب ظهور “كرامات” عند ضريحه.
وعلى صعيد التأريخ لحياته، يُرجّح أنه عاش خلال العهد العثماني، استناداً إلى أوراق وُجدت في مسجد البلدة، تُشير إلى أن “علي الطاهر” هو من جدّد بناء “مسجد النبي” في النبطية الفوقا، وهو مسجد أُنشئ تكريماً لمحمد شاه، الأمير الإيراني الذي استُشهد في معركة وقعت عام 1382 م. وبما أن السيطرة العثمانية على جبل عامل بدأت فعلياً بعد عام 1516 م، فإن المصادر التاريخية تضع فترة حياة “علي الطاهر” في هذا السياق الزمني الذي تلا تلك الحقبة، مما يجعله شخصية عاصرت أو تلت السنوات الأولى للوجود العثماني في المنطقة.
وقد حظي المقام عبر التاريخ باهتمام خاص؛ إذ رمّمه الحاج علي هلال في العام 1180 هجري، أي بين سنتي 1766 و1767 ميلادية، كما وثّق الرحالة الأميركي إدوارد روبنسون وجوده خلال رحلته إلى لبنان عام 1852م، مشيراً إلى موقعه غربي جبل الجرمق. وظل المكان، حتى فترة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، مقصداً للناس طلباً للبركة وإيفاءً للنذور.
وكان المقام مقصداً لأهالي القرى المحيطة، النبطية وكفرتبنيت وأرنون ويحمر، لتقديم النذور، خصوصاً في مواسم الجفاف أو طلب الشفاء. كما تحولت التلة المحيطة بالمقام تاريخياً إلى فضاء للتجمع، لا سيما في الأعياد وفصل الربيع، وفي المناسبات الدينية، ولا سيما في أربعينية الإمام الحسين، حيث كان الناس يصعدون إليه ليس فقط بدافع ديني، بل أيضاً للاستمتاع بالمشهد الطبيعي الذي يربطه بالمنطقة، ما جعله جزءاً من الفولكلور المحلي المتوارث.
لهذه الأسباب، وغيرها الكثير من الأسباب المتعلقة بوجدان أهل الجنوب، يمكن استشراف سبب تمسّك المقاومة بهذه التلال الطاهرة وعدم تسليمها للاحتلال، فهي علاقة متجذّرة بين الإنسان الجنوبي وتراثه وبين الأرض. وأصبحت التلة شاهداً على رمزية الصمود ومقاومة الاحتلال… والأمكنة شواهد.
للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط


