| جورج علم |
الوضع في الشرق الأوسط مقلق، لكنه في أوكرانيا خطير.
في الشرق الأوسط “لعبة شطرنج”. وفي أوكرانيا بداية “لعبة زر”.
ولأن الوضع على هذه الدرجة من الاحتقان، أرسل الرئيس دونالد ترامب مدير وكالة المخابرات المركزية “سي آي إيه” جون راتكليف إلى موسكو. لم يستقبله الرئيس فلاديمير بوتين. وقلّل الكرملين من أهمية الزيارة. وغابت التصريحات المعبّرة. واكتفى بعض الإعلام بالاستنتاج: “ربما نقل تحذيرًا إلى روسيا من مغبة مزيد من التصعيد للحرب في أوكرانيا”!
ماذا يجري تحديدًا؟
هناك مسارات مختلفة متوازية تلتقي على حواصل مشتركة، لكن لم تُنتج لغاية الساعة قرارًا واحدًا مشتركًا. المسار الروسي ـ الصيني، والمسار الروسي ـ الإيراني، والمسار الروسي ـ التركي، ومن هنا تبدأ قراءة المستجدات.
استقبلت أنقرة في السابع والثامن من تموز الماضي القمة 36 لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، وشارك فيها قادة وزعماء 32 دولة عضوًا في الحلف، إلى جانب الرئيس ترامب.
كان ينتظر بوتين من حليفه رجب طيب أردوغان، وصديقه اللدود ترامب، قرارات تُسهم في معالجة الأزمة الأوكرانية. لكن ما حصل كان أشبه بانقلاب. تخلّى أردوغان عن منظومة الصواريخ الروسية “إس 400” المتطورة، مقابل وعود “ترامبية” بالحصول على عدد محدود من طائرات الشبح الأميركية “إف 35”.
أما القمة، فقد أسفرت عن قرارات تصعيدية، أبرزها زيادة الإنفاق الدفاعي، وتوسيع القدرات الصناعية العسكرية للحلف، ودعم أوكرانيا بالأسلحة المتطورة والصواريخ بعيدة المدى، والالتزام بمبدأ الدفاع الجماعي، والتأكيد على أن أي هجوم على دولة عضو يُعدّ هجومًا على جميع الحلفاء.
لم يمر وقت على مقررات القمة التي زيّنها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بعقد سلسلة لقاءات مع الزعماء المشاركين، حتى بدأ التحول الكبير في الميدان. مسيّرات أوكرانية تعمل بالذكاء الاصطناعي تطال العمق الروسي. قصف للمنشآت البترولية وموانئ التصدير.
التصدّي للناقلات الروسية في البحر الأسود. استهداف البنى التحتية الحيوية. التصويب على أهداف مدنية. وخراب ودمار هائل، وتزايد في عدد القتلى والجرحى. لقد دخل حلف “الناتو” بثقله على الخط، وتحولت أوكرانيا إلى خط تماس مشتعل، من أهدافه إذلال الرئيس الروسي، وفرض شروط التسوية فرضًا.
بالمقابل، شعر بوتين بخيوط الشرنقة التي تُحاك من حوله في محاولة لخنقه. حليفه التركي تخلّى عنه بعد اجتماعه مع ترامب. التركي يريد البحر الأسود، والناقلات الضخمة تحت رعايته، وتصبّ في موانئه ومستوعباته. يريد بناء شبكة نفوذ في سوريا، وكان – وفق معلومات موسكو – من أبرز المحرّضين على التقليل من الحضور الروسي، سواء في القرار السياسي أو النشاط العسكري في قاعدتي حميميم وطرطوس. وسعى إلى ترجيح كفّة الابتعاد عن إيران في ميزان علاقاته الاستثمارية مع دول الخليج، قبل أن ينخرط في “حلف مكة” الثلاثي. وبدأ يهندس لسياسة استثمارية بترولية توسعية تبدأ من شواطئ لبنان، إلى شواطئ اليونان، مرورًا بقبرص العصيّة حتى الآن.
أما ترامب، الذي قرر أن يلعب الشطرنج مع إيران، فقد كشف بعض أوراقه، وأراد من حصاره لمضيق هرمز أن يفرض حصارًا على النفوذين الصيني من جهة، والروسي من جهة أخرى.
وفي زحمة هذه التحولات وغيرها، سواء في المشهد الأوكراني أو الشرق أوسطي، عقد بوتين سلسلة اجتماعات لمجلس الأمن القومي الأعلى، وقرر التصدّي، وحسم الوضع على طريقته، رافضًا ما يحاوله الغرب الأوروبي – الأميركي المشارك في “الناتو” لإذلال روسيا، تحت شعار دعم أوكرانيا. وما قرره، أو ما يحاول الإقدام عليه، بدأ يقضّ مضجع ترامب، الذي بادر إلى إرسال مدير مخابراته إلى موسكو، لكن الأخير لم يتمكن من مقابلة الرئيس الروسي، في حين أن المدير السابق ويليام بيرنز، الذي زار روسيا عام 2021 بناءً على طلب من الرئيس جو بايدن، قد استقبله بوتين في مكتبه، وأحاط زيارته بهالة من الاهتمام.
هل فشل راتكليف في المهمة؟
لا جواب بعد يُبنى عليه. لكن من الواضح أن عدم استقباله في الكرملين يوحي بأن بوتين لا يزال في ذروة الغضب، ويستعد لقلب الطاولة!
في لبنان، لا يبدو أن هناك في صفوف المسؤولين من يعير أهمية لهذه التطورات المتسارعة. لكن السؤال التحدي الذي يدقّ أبواب بعبدا، والسرايا: إذا كانت المصلحة العليا تقضي بالحفاظ على “اليونيفيل” في ظل تعذّر البدائل الأخرى، فكيف يضمن لبنان الرسمي موافقة موسكو وبكين، وسائر العواصم صاحبة حق النقض “الفيتو” في مجلس الأمن الدولي، على التمديد لمهامها في الجنوب، وهو الذي وضع كامل بيضه في السلّة الأميركية، و”اتفاق الإطار” مع “إسرائيل”؟!


