
| لينا فخر الدين |
لا تشبه تحضيرات دار الفتوى للمولد النبوي هذا العام سابقاتها، إذ يستنفر المفتي عبد اللطيف دريان لحشدٍ واسع في احتفال يبدو أبعد من مناسبة دينية، وأقرب إلى استفتاء على شرعية ولايته قبل قرار مجلس شورى الدولة.
تحوّل الاحتفال بالمولد النبوي هذا العام، في دار الفتوى، إلى ما يشبه معركة سياسية استباقية يخوضها مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، في مواجهة الطعن بتمديد ولايته أمام مجلس شورى الدولة. وفيما تتحدث أوساط دينية عن ضغوط تُمارس على المشايخ وموظفي الأوقاف والمؤسسات الدينية للمشاركة، يجري العمل على حشد واسع للحضور، مع تأمين وسائل نقل مجانية للراغبين في القدوم من خارج بيروت، بتمويل من رجال أعمال محسوبين على الدار.
ولا تبدو التحضيرات هذه المرة شبيهة بما سبقها من احتفالات. فدريان، الذي آثر خلال السنوات الماضية الابتعاد عن المناسبات العامة والاكتفاء غالباً بكلمات مكتوبة، قرر أن يلقي كلمة من المنبر الذي نُصّب عليه مفتياً قبل 12 عاماً، أمام رئيس الحكومة نواف سلام، الذي أكّد حضوره، وعدد من رؤساء الحكومات والنواب والوزراء والمسؤولين السنّة وأعضاء المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وهو ما يراه دريان أشبه بنصابٍ مكتمل لمجلس الانتخاب الإسلامي (الذي ينتخب مفتي الجمهورية).
وبحسب مصادر متابعة، يعوّل دريان على هذا الحشد لتقديمه بمثابة «استفتاء شعبي» على شرعية بقائه في منصبه، ولا سيما أن مجلس شورى الدولة يستعد لإصدار قراره النهائي في قانونية جلسة التمديد له. ويُتوقع أن تتضمن كلمته التي يحضّر لها بشكل مدروس سؤالاً للحاضرين عمّا إذا كان بينهم من يشكك في قانونية استمراره في منصبه، في محاولة لتحويل عدم الاعتراض إلى «علامة رضى» يستند إليها في مواجهة خصومه، ومجلس شورى الدّولة باعتباره غير معنٍ بالتدخّل في شؤون مؤسسات الطائفة السنيّة.
ويتعامل المفتي مع احتفالات المولد باعتبارها «قضيّة وجود»، رغم ما تردد عن تحذيرات أتته من قيادة الجيش لناحية مخاطر توسيع الحضور الشعبي في وسط بيروت، خشية حدوث أي إشكالٍ في ظل الظروف السياسية الحساسة، وتحويله إلى أزمة طائفيّة أو وضع الجيش في مواجهة مع السُنّة. ورفض دريان أن تقتصر الذكرى على حضور الشخصيات الرسمية، مؤكّداً أن لدى فريقه المعني بالتنظيم والتشريفات قدرةً على ضبط الحضور ومنع أي إشكال قد يحوّل المناسبة إلى أزمة سياسية أو طائفية.
احتفال غير مسبوق لـ«الأحباش»
استوقف المعنيين الاحتفال الذي أقامته «جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية» قبل يومين، بمناسبة المولد النبوي، في الساحة المواجهة لمسجد محمد الأمين في وسط بيروت، بعدما كانت احتفالاتهم السنوية تقتصر عادةً على حواجز لتوزيع الحلويات في عدد من أحياء العاصمة. وربط متابعون هذا التحوّل بالسطوة الاستثنائية التي باتت تتمتع بها «المشاريع» داخل بلدية بيروت، التي منحت موافقتها على إقامة الاحتفال، وصولاً إلى القول إن العضو المحسوب عليها، أحمد شاتيلا، بات بمثابة رئيس البلدية الفعلي.
ولم تقتصر دلالة الاحتفال على رمزية المكان، بل برزت أيضاً القدرة اللافتة لـ«المشاريع» على الحشد الشعبي، إذ أدّى توافد المشاركين إلى إقفال مداخل الوسط التجاري ومخارجه، بالتوازي مع انتشار أمني كثيف، فيما سجلت الجمعية حضوراً تنظيمياً لافتاً.
وأثار الاحتفال غضباً في أوساط دينية تنتمي إلى مدارس أخرى، إذ اعتبرت أن إقامة مهرجان «الأحباش» بهذا الحجم والمكان قطعت الطريق أمام احتفالات المولد الأخرى، ولا سيما الاحتفال الذي تنظمه المديرية العامة للأوقاف الإسلامية اليوم، بمشاركة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان.


