| الجريدة |
لم يعد قلق اللبنانيين من البنزين محصوراً بسعر الصفيحة أو بتوافر المادة في المحطات، بل بدأ سؤال آخر يتكرر بين السائقين: هل نوعية البنزين المتوافر في السوق اليوم هي فعلاً بالمستوى الذي يُفترض أن تكون عليه؟
في الأيام الأخيرة، تتكرر شكاوى من مواطنين يتحدثون عن ملاحظة ارتفاع في استهلاك سياراتهم للوقود مقارنة بالفترة السابقة، رغم استخدامهم السيارات والطرق نفسها تقريباً. ويذهب بعضهم إلى ربط هذا الأمر بما يعتبرونه تراجعاً في جودة البنزين أو انخفاضاً في نسبة الأوكتان، الأمر الذي ينعكس، بحسب تجربتهم، على عدد الكيلومترات التي تقطعها السيارة بالصفيحة.
وتأتي هذه الشكاوى في وقت يشهد فيه ملف المحروقات تقلبات متواصلة. فقد تحركت أسعار البنزين صعوداً وهبوطاً خلال الأسابيع الماضية، متأثرة بتطورات الأسواق العالمية والتوترات الإقليمية، فيما لامس سعر صفيحة البنزين قرابة الـ30 دولاراً.
وفي موازاة الأسعار المرتفعة، شهد السوق خلال الشهر الحالي اضطراباً في الإمدادات، مع شكاوى من إقفال عدد من المحطات في مناطق مختلفة وطوابير أمام محطات أخرى، خصوصاً في الجنوب، فيما أكدت وزارة الطاقة أن مادة البنزين متوافرة وأن حاجات السوق يجري تأمينها.
وهنا تبرز المشكلة من زاوية أخرى: إذا كان المواطن يدفع كلفة مرتفعة جداً مقابل كل صفيحة، فإن أي تراجع في كفاءة الوقود يصبح كلفة إضافية غير ظاهرة على السعر الرسمي، فالمواطن لا يدفع فقط ثمن الليترات التي يضعها في خزان سيارته، بل يدفع أيضاً ثمن المسافة التي يستطيع قطعها بهذه الكمية.
وبمعنى آخر، قد تبدو الفروقات بسيطة عند تعبئة الخزان، لكنها تصبح كبيرة على مدار الشهر، خصوصاً بالنسبة إلى الموظفين والسائقين الذين يقطعون مسافات طويلة يومياً. وإذا كانت السيارة تستهلك كمية أكبر من المعتاد فعلاً، فإن ارتفاع السعر الرسمي للبنزين يترافق عملياً مع ارتفاع إضافي في كلفة التنقل.
فالسؤال اليوم ليس فقط: كم أصبح سعر صفيحة البنزين؟ بل أيضاً، ماذا يحصل عليها المواطن مقابل هذا السعر؟
وفي بلد يعاني من غياب الرقابة وتفلّت السوق، تبرز الحاجة إلى تشديد الفحوص الدورية على المحطات، وإعلان نتائجها للرأي العام، والتأكد من مطابقة البنزين الموزع فعلياً للدرجة المعلنة على المضخة، خصوصاً في ظل حساسية ملف المحروقات وارتباطه المباشر بميزانية الأسر وكلفة النقل.
وفي بلد شهد خلال الأشهر الماضية اضطرابات في سوق المحروقات، من مخاوف نقص الإمدادات إلى تقلب الأسعار، فإن جودة البنزين يجب ألا تبقى مسألة متروكة لتجارب السائقين وحدهم. فالمواطن الذي يدفع ملايين الليرات مقابل صفيحة وقود من حقه أن يعرف ليس فقط أنها موجودة في المحطة، بل أنها أيضاً مطابقة للمواصفات التي يدفع ثمنها.
وتبقى الكرة في ملعب الجهات الرقابية، عبر فحص عينات من السوق، مقارنة النتائج بدرجات 95 و98 أوكتان المعلنة، وإعلان النتائج بوضوح، قد يحسم الجدل بين ما يقوله المواطنون وما هو مثبت بالأرقام.


