| جورج علم |
يودّع لبنان الأمم المتحدة. خرج من تحت مظلّتها، والتحق بالقطار الأميركي. لا هو يعرف أين سيحطّ به، ولا هو قادر على مغادرته متى شاء.
وتتهاوى القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي الخاصة به.
يودّع اللبنانيون القرار 1701، رغم إصرار المفاوض اللبناني على ضرورة وضعه موضع التنفيذ.
ويودّعون القرار 2790 الذي قضى بتمديد ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل”، للمرة الأخيرة، حتى 31 كانون الأول المقبل، مع “بدء خفض قوامها وانسحابها بشكل منظّم وآمن في غضون سنة واحدة بعد ذلك التاريخ”.
ويودّعون الزخم الفرنسي الهادف إلى عقد مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني، وتمكينه من استعادة السيادة الوطنية. فالرئيس دونالد ترامب لا يريد أن يمنح نظيره الفرنسي، الرئيس إيمانويل ماكرون، هذا الشرف. إنه مع دعم الجيش، لكن على طريقته، ووفق مزاجه. وإذا كان لا بد من مؤتمر، فهو من سيتولى الإعداد والتنفيذ والإخراج.
صديقه بنيامين نتنياهو صارحه بالقول: “أنا، ولا أحد في الجنوب حتى إشعار آخر”! لا يريد الجيش إلا إذا تمكّن من السيطرة على “السلاح غير الشرعي”. ولا يريد بقاء “اليونيفيل”، ولا استبدالها بأي قوة أخرى، سواء أكانت أوروبية، أم متعددة الجنسيات، أو بإشراف المنظمة الدولية.
ويجاريه الجانب الإيراني في هذا الموقف. “رفضان” لا يلتقيان إلا على مواجهة الخيارات السيادية. يضعان “الفيتو” ضد أي قوة تأتي لمؤازرة الجيش. نتنياهو لا يريد، والشيخ نعيم قاسم يؤكد أن “أي قوة تأتي لنزع سلاح المقاومة سنتعامل معها كقوة احتلال!”
حتى موقف الحكومة اللبنانية لا يزال يسبح في بركة الالتباس. تريد استمرار “اليونيفيل”، لكنها لم تفعل شيئًا للحفاظ على بقائها. ولم تقم بأي حراك دبلوماسي وازن لحمل مجلس الأمن الدولي على تعديل القرار 2790.
وتريد الحكومة اللبنانية قوات أوروبية، أو متعددة الجنسيات، لمؤازرة الجيش، لكن لغاية الساعة لم تقدم على أي خطوة عملية جدية. ولم تحسم رأيها حول ما إذا كانت تريدها بإشراف الأمم المتحدة، أو الاتحاد الأوروبي، أو الدول المشاركة.
ينعقد مجلس الأمن الدولي قبل نهاية هذا الشهر لتقييم الوضع في الجنوب، والنظر في مستقبل “اليونيفيل” في ضوء مندرجات القرار 2790.
وهناك وثيقة موقعة من 86 نائبًا تطالب الأمانة العامة للأمم المتحدة باستمرار “القبعات الزرق” في الجنوب، والإبقاء على عديدها وصلاحياتها. ولكن ليس ثمة طلب رسمي بعد، صادر عن مجلس الوزراء اللبناني، يطالب المنظمة الدولية بتعديل القرار 2790.
ويبدو أن الحكومة تريد، لكنها غير قادرة. فكلمة المفتاح في واشنطن، ويمسك ترامب بثلاث أوراق:
الأولى: الجيش اللبناني. لقد أمسك بملفه. يريد أن يسانده، لكن على طريقته الخاصة. فالدعم يأتي بعد تحديد الدور ومواصفات المهمة، وبقدر حجمها واقتدار الجيش على تنفيذها يكون حجم الدعم.
الثانية: القوات البديلة عن “اليونيفيل”. لم يكشف ترامب أوراقه بعد. ربما يحبّذ أن تكون أميركية من دون مزاحم، لكنه يخشى الغرق في المستنقع اللبناني، وقد أصبح ملمًّا بهشاشة الوضع، لذلك يتجنب الانزلاق، في ظل التمدد الإيراني المتخفي، ولا يريد أن تتحول الساحة اللبنانية إلى “مصيدة” للقوات الأميركية، أو إلى “هانوي ثانية”، بعد الأولى التي كانت مكلفة وانتهت بانسحاب مذل.
أما الاعتماد على قوة ثالثة أوروبية، أو متعددة الجنسيات، فالبحث جارٍ، وهناك تشاور مستمر بين واشنطن وكل من باريس وبرلين وروما وعواصم أخرى، لكن موعد اتخاذ القرار لم يحن بعد، فثمة الكثير من الأولويات التي يفترض حسمها، من مضيق هرمز إلى سائر المضائق الأخرى المتصلة، وصولًا إلى البوسفور التركي.
الثالثة: “المناطق التجريبية”، أي السيادة بالتقسيط، فترة بعد فترة، ومترًا بعد متر، كنتيجة للمفاوضات. وتحولت المفاوضات المباشرة إلى مسار طويل يقود إلى محطات ودهاليز مجهولة، برعاية أميركية. كما تحول الأمن إلى شبكة تديرها غرفة عمليات برئاسة ورعاية الأدميرال الأميركي براد كوبر، وبحضور الوفدين اللبناني و”الإسرائيلي”.
إن هذه “الثلاثية” التي تتحكم بمجريات الجنوب قد يُكتب لها الاستمرار، لكن قد لا يُكتب لها النجاح، خصوصًا أن اللبناني هو “الشريك الأضعف”، في ظل التعبئة “الإسرائيلية”، والحرص الأميركي على رفض أي شريك منافس يدخل إلى القاعة ويشارك في صياغة القرار، سواء أكان أوروبيًا أم من جنسيات أخرى متعددة.
وليست الحكومة اللبنانية بعيدة عما يدور خلف الكواليس، لكنها صامتة، وتتصرف وكأنها غير مبالية، كونها محكومة بتحديات تفوق طاقتها وقدرتها على الاحتمال. ولم تذهب إلى المفاوضات المباشرة مخيّرة، بل دُفعت إليها دفعًا، وبتشجيع أميركي، للحفاظ على ما تبقى لديها من مقومات دولة، بعد أن استُنزفت بين المطرقة “الإسرائيلية” والسندان الإيراني.
إن المسافة بين نيويورك وواشنطن قد تكون قصيرة، لكنها محفوفة بالمخاطر. والتخلي عن “اليونيفيل”، وسط الظروف المصيرية الدقيقة التي يجتازها لبنان، قد يشكل مغامرة غير مضمونة النتائج، ويتحول إلى تدبير لا يبشّر بالخير، ولا يحمل مؤشرات واعدة بالأمن والأمان.
وإن الإحجام عن صياغة آلية لبنانية واضحة لعمل أي قوة قد تدخل تحت شعار مؤازرة الجيش اللبناني، هو نوع من التخلي عن مسؤوليات دستورية وسيادية مصيرية جسيمة، لا يلازمها تفسير ولا يبررها منطق.
ولا يكفي أن يغادر لبنان مقصورة الأمم المتحدة ليلتحق بالقطار الأميركي، بل عليه أن يحجز مسبقًا محطات آمنة لدى دول شقيقة وصديقة تمدّه بالدعم والمؤازرة في مشواره الطويل ما بين نيويورك وواشنطن.


