| زينة أرزوني |
لا يمكن قراءة الانفتاح التركي المتسارع على لبنان، سواء عبر إعلان الرئيس رجب طيب أردوغان استعداد بلاده للمشاركة في أي قوة دولية قد تتولى مهام حفظ الأمن في الجنوب، أو من خلال تنشيط التعاون العسكري والاقتصادي مع الدولة اللبنانية، باعتباره تحركاً تكتيكياً أو استجابة لظرف سياسي عابر.
فالمسألة تتجاوز لبنان بحدوده الجغرافية، لتندرج ضمن إعادة التموضع التركي في شرق المتوسط والشرق الأوسط، في مرحلة تشهد انهيار توازنات قديمة وصعود نظام إقليمي جديد.
تنطلق أنقرة من قناعة مفادها أن مرحلة ما بعد الحرب ستشهد إعادة توزيع النفوذ أكثر مما ستشهد إعادة إعمار الدول. لذلك تسعى إلى ضمان حضورها في كل الساحات التي سترسم فيها التوازنات المقبلة، ولبنان أحد أبرز هذه الساحات.
الأمن مدخل إلى النظام الإقليمي الجديد
منذ نهاية الحرب الباردة، لم تعد قوات حفظ السلام مجرد أدوات لضبط النزاعات، بل أصبحت إحدى وسائل إنتاج النفوذ السياسي. فالدولة التي تشارك في إدارة الأمن تمتلك، تلقائياً، قدرة على التأثير في القرارات السياسية اللاحقة.
لذلك لا يبدو العرض التركي بالمشاركة في أي قوة تخلف “اليونيفيل” مبادرة إنسانية أو تضامنية، بل محاولة مبكرة لحجز مقعد داخل المنظومة الأمنية التي ستنشأ بعد إعادة ترتيب الجنوب اللبناني.
وتدرك أنقرة أن أي غياب عن هذه المرحلة سيمنح منافسين آخرين، وفي مقدمتهم فرنسا و”إسرائيل” والولايات المتحدة، فرصة احتكار هندسة المشهد الأمني في لبنان، وهو ما سينعكس لاحقاً على ملفات الطاقة والاستثمار والسياسة.
لبنان.. الحلقة المفقودة في مشروع شرق المتوسط
يمثل لبنان بالنسبة إلى تركيا أكثر من دولة مجاورة لسوريا؛ إنه الحلقة التي يمكن أن تعيد رسم توازنات شرق المتوسط.
خلال العقد الماضي، تشكل محور بحري يضم اليونان وقبرص و”إسرائيل”، بدعم أوروبي وأميركي، بهدف تطوير مشاريع الغاز وربطها بالأسواق الأوروبية.
وتنظر أنقرة إلى هذا المحور باعتباره مشروعاً لإقصائها استراتيجياً من معادلات الطاقة.
ومن هنا، يصبح لبنان عنصراً بالغ الأهمية. فإذا انخرط بالكامل في المنظومة البحرية القائمة، ستتعزز عزلة تركيا في شرق المتوسط. أما إذا نجحت أنقرة في بناء شراكة استراتيجية معه، فإنها ستكسر جزءاً من الطوق الجيوسياسي المفروض عليها.
لذلك لا يمكن فصل الاهتمام التركي بالجيش اللبناني، أو بالموانئ، أو بالطاقة، عن هذا السياق الأشمل.
الغاز.. جوهر الحسابات التركية
لا تتحرك تركيا دفاعاً عن اتفاقيات بحرية أو اعتراضاً على أخرى، بقدر ما تتحرك دفاعاً عن رؤيتها الاستراتيجية المعروفة بعقيدة “الوطن الأزرق”، التي تعتبر أن الأمن القومي التركي يبدأ من السيطرة على المجال البحري وحماية المصالح الاقتصادية المرتبطة به.
وفي هذا الإطار، جاء الاعتراض التركي على اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص، ليس لأن أنقرة تعتقد بإمكانية إلغائه، بل لأنها ترفض تكريس منظومة إقليمية تستبعدها من مشاريع استخراج الغاز ونقله.
وتدرك القيادة التركية أن لبنان يدخل مرحلة قد تشهد استثمارات ضخمة في قطاع الطاقة، ولذلك تسعى إلى أن تكون جزءاً من هذه العملية، سواء عبر الشركات التركية، أو عبر شراكات اقتصادية، أو من خلال بناء نفوذ سياسي يسمح لها بالتأثير في القرارات المستقبلية.
المنافسة مع “إسرائيل”.. من سوريا إلى لبنان
إذا كانت المنافسة التركية – الإسرائيلية في سوريا تدور حول النفوذ العسكري ومستقبل الدولة السورية، فإنها في لبنان تأخذ بعداً مختلفاً، عنوانه السيطرة على البيئة الأمنية والسياسية المحيطة بالحدود الشمالية لكيان الاحتلال الإسرائيلي. فأي وجود تركي ضمن قوة دولية في الجنوب اللبناني سيمنح أنقرة حضوراً مباشراً على تماس مع إحدى أكثر الجبهات حساسية في الشرق الأوسط، وهو ما تنظر إليه “إسرائيل” بعين الريبة.
وتشير التجربة في غزة إلى أن “إسرائيل” لا تبدي استعداداً لقبول دور أمني تركي في المناطق المحاذية لها، وهو ما يجعل الاعتراض الإسرائيلي أحد أكبر التحديات أمام الطموح التركي في لبنان.
كما أن “إسرائيل” تدرك أن النفوذ التركي لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد إلى الاقتصاد والطاقة والعلاقات مع شرائح اجتماعية لبنانية، وهو ما يمنح أنقرة أدوات تأثير تتجاوز الوجود العسكري المباشر.
رسائل أنقرة إلى واشنطن وأوروبا
يحمل التحرك التركي رسائل موجهة إلى أكثر من طرف. فالرسالة إلى الولايات المتحدة تؤكد أن تركيا لا تزال لاعباً أساسياً داخل حلف شمال الأطلسي، وأن تجاهلها في ترتيبات الشرق الأوسط سيؤدي إلى اختلال في توازنات المنطقة.
أما الرسالة الأوروبية، فتقول إن أنقرة مستعدة لتحمل جزء من أعباء الأمن الإقليمي، لكنها في المقابل تطالب بالاعتراف بمصالحها في شرق المتوسط.
وفي المقابل، يوجه أردوغان رسالة إلى لبنان مفادها أن تركيا مستعدة للانتقال من مرحلة المساعدات الإنسانية والإنمائية إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية، وهو تحول يعكس طموحاً أكبر بكثير من مجرد تقديم الدعم.
هل ينجح المشروع التركي؟
رغم وضوح الرؤية التركية، فإن نجاحها ليس مضموناً. فالولايات المتحدة ستوازن بين حاجتها إلى الدور التركي داخل حلف “الناتو”، وبين رغبتها في عدم إثارة حساسيات “إسرائيل”.
وفرنسا لن تتخلى بسهولة عن إرثها التاريخي في لبنان، كما أن إيطاليا تمتلك حضوراً مؤثراً داخل قوات “اليونيفيل”.
أما داخلياً، فإن أي ترتيبات أمنية جديدة ستظل مرتبطة بمواقف القوى اللبنانية، وبطبيعة التسوية السياسية التي ستحدد مستقبل الجنوب ودور سلاح المقاومة.
لذلك قد يتحول العرض التركي إلى ورقة تفاوض أكثر منه مشروعاً جاهزاً للتنفيذ، تستخدمه أنقرة لتحسين موقعها في المفاوضات الإقليمية المقبلة.
تكشف السياسة التركية تجاه لبنان عن تحول نوعي في التفكير الاستراتيجي لأنقرة. فلبنان لم يعد يُنظر إليه بوصفه ساحة نفوذ تاريخية أو بوابة ثقافية نحو المشرق، بل أصبح عقدة جيوسياسية تجمع بين الأمن والطاقة والممرات البحرية وإعادة تشكيل موازين القوى في شرق المتوسط.
ومن هنا، فإن الرهان التركي الحقيقي لا يتمثل في إرسال قوات إلى الجنوب اللبناني، بل في تثبيت موقع دائم داخل معادلات الإقليم الجديد. فأنقرة تدرك أن خرائط النفوذ في الشرق الأوسط لا تُرسم فقط على طاولات المفاوضات، بل تُصاغ أيضاً عبر الحضور العسكري، والاستثمار الاقتصادي، والسيطرة على ممرات الطاقة، وبناء الشراكات مع الدول الواقعة على خطوط التماس بين الصراعات الكبرى.
وعليه، فإن التحرك التركي في لبنان لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه حدثاً منفصلاً، بل كجزء من استراتيجية أشمل تهدف إلى إعادة تموضع تركيا قوةً متوسطية وإقليمية قادرة على المنافسة في مرحلة ما بعد الحرب، حيث سيكون النفوذ لمن ينجح في الجمع بين أدوات القوة الصلبة والقوة الناعمة في آن واحد.
للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط


