أعاد إعلان المديرية العامة لأمن الدولة عن إتلاف محاصيل زراعية في عكار، بعدما تبيّن أنها كانت تُروى بمياه ملوّثة بالصرف الصحي، تسليط الضوء مجدداً على ملف سلامة المزروعات في لبنان وآليات الرقابة على مصادر مياه الري، في ظل مخاوف من تكرار مثل هذه الحالات وانعكاساتها على صحة المواطنين والقطاع الزراعي.
وكانت المديرية العامة لأمن الدولة قد أعلنت، قبل أيام، أنه “بنتيجة الكشف الذي أجرته مديرية عكار الإقليمية في المديرية العامة لأمن الدولة على الأراضي الزراعية في سهل عكار، تبيّن استخدام مياه ملوّثة بمياه الصرف الصحّي في ريّ عدد من الأراضي الزراعية”.
وبحسب البيان، أُجريت فحوص مخبرية على عينات من مياه الري، حيث ثبت عدم مطابقتها للمعايير الصحية المعتمدة. وبناءً على إشارة قضائية، جرى إتلاف المحصول الزراعي المروي بهذه المياه الملوثة في منطقة سهل الشيخ طابا.
واللافت في هذه القضية أن مساحة الأرض التي شملها الإجراء تبلغ نحو 14 ألف متر مربع، وهي مساحة شاسعة، ما يطرح تساؤلات حول مدى تكرار مثل هذه الحوادث، وحول الجهات المسؤولة عن مراقبة المحاصيل الزراعية ومصادر المياه المستخدمة في الري في مختلف المناطق اللبنانية.
الري من الليطاني
وفي الإطار عينه، أعلنت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني أن فرقها الفنية نفذت بتاريخ 27 تموز 2026 كشفاً ميدانياً في منطقة تل الأخضر – ناصرية تابت ضمن الحوض الأعلى لنهر الليطاني.
وخلال الكشف، تبيّن قيام عدد من المزارعين بسحب مياه الصرف الصحي من مجرى تُصرَّف إليه هذه المياه، واستعمالها في ري محاصيل زراعية، بواسطة مضخات وتجهيزات مخصصة للري، وقد جرى توثيق هذه المخالفات ميدانياً.
وتعيد هذه الواقعة فتح النقاش حول الرقابة على مصادر مياه الري، وخصوصاً في المناطق الزراعية التي تعتمد على الأنهار والمجاري المائية، في ظل استمرار مشكلة تصريف مياه الصرف الصحي والتعديات على المجاري المائية.
وزير الزراعة: هذه الأراضي تُقفل لثلاث سنوات!
وفي حديث مع “النهار”، أكد وزير الزراعة نزار هاني أن الوزارة على تنسيق ومتابعة مستمرة مع القوى الأمنية لضبط هذه التجاوزات، مشدداً على أنه “لا يمكن التهاون مع من يستخدم مياه الصرف الصحي لريّ المزروعات”.
وأوضح هاني أن قرار التعامل مع هذه المخالفات يعود إلى القضاء المختص، مشيراً إلى أن “في هذه الحالة يتخذ قرار القاضي المختص بإقفال المساحات المرويّة بالمياه الملوّثة بالشمع الأحمر لمدة أقلها 3 سنوات”.
ولفت وزير الزراعة إلى أنه لا يمكن للمزارعين التذرع بعدم وجود كمية كافية من المياه لري المزروعات، أو بعدم وصول الكمية المطلوبة إلى الأراضي، مؤكداً أنه “في هذه الحالة على المستثمر أو المزارع زرع الأرض بما يتناسب مع كمية المياه المتوفرة”.
كما ذكّر هاني بالقرار الصادر عن وزارة الزراعة منذ فترة، والذي يقضي بمنع ري الخضار والفواكه بمياه نهر الليطاني، وحصر استخدامها فقط لري الزراعات العلفية، وذلك بهدف الحد من مخاطر التلوث وحماية سلامة الإنتاج الزراعي.
مزارعو سهل عكار يرفضون الاتهامات
في المقابل، رفض تجمع مزارعي سهل عكار ما وصفه بالشائعات المتداولة حول استخدام مياه ملوثة في الري، مؤكداً أن السواد الأعظم من المزروعات المكشوفة، إلى جانب كافة البيوت المحمية، تعتمد بشكل كامل على الآبار الارتوازية النظيفة كمصدر أساسي للإنتاج.
وأوضح التجمع، في بيان، أن المزارع هو المتضرر الأول والشرعي من أي تلوث قد يطال المياه أو المزروعات، نظراً لما يسببه ذلك من أمراض بكتيرية وفطرية، فضلاً عن الخسائر المالية الكبيرة التي تلحق بالمزارعين، وانعكاس ذلك على جودة المحاصيل وقيمتها التسويقية.
وشدد المزارعون على أن مشكلة تلوث مجاري الأنهار والسواقي ناتجة أساساً عن تصريف مياه الصرف الصحي والتعديات غير القانونية، معتبرين أن هذه الملفات البيئية تقع مسؤولية معالجتها على عاتق السلطات المختصة.
وطالب التجمع وزارات الزراعة والبيئة والداخلية بتكثيف الرقابة الميدانية، وإجراء فحوص دورية لمياه الري، والعمل على إزالة التعديات بحزم، لمنع استخدام المياه الملوثة في الزراعة.
كما رفض البيان ما وصفه بـ”سياسة التعميم الظالمة” بحق أبناء عكار، داعياً إلى محاسبة المخالفين بشكل فردي، بعيداً من تعميم الاتهامات على جميع المزارعين، والعمل في الوقت نفسه على حماية سهل عكار باعتباره إحدى السلال الغذائية الأساسية والمحورية في لبنان.
وتعيد هذه الوقائع التأكيد على أهمية تشديد الرقابة على مصادر المياه المستخدمة في الزراعة، والتأكد من مطابقتها للمعايير الصحية، خصوصاً في ظل ارتباط سلامة المزروعات بشكل مباشر بصحة المستهلكين واستمرارية القطاع الزراعي، إلى جانب ضرورة معالجة مصادر التلوث من جذورها، وعدم الاكتفاء بمعالجة النتائج بعد وصول المياه الملوثة إلى الأراضي والمحاصيل.


