
| فراس الشوفي |
كان لتكليف الدبلوماسي الفرنسي جان أرنو بمهام المُنسِّق الخاص للأمم المتحدة في لبنان بالإنابة (UNSCOL) أن يحظى بأهمية وتأثير كبيريْن، لولا الحرب التي تشنّها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على المنظّمة الأممية، إلى جانب التحوّلات الكبرى التي يشهدها لبنان والمنطقة.
ومع ذلك، فإن اختيار أرنو، الذي لم يعد يرغب في تولّي مهام طويلة الأمد مع اقترابه من التقاعد، لإدارة هذه المرحلة الانتقالية الفاصلة بين انتقال المُنسِّقة السابقة جنين بلاسخارت إلى منصب وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون السلامة والأمن، وتعيين مُنسِّق أصيل في لبنان، يعكس حرص المنظّمة الدولية على الحفاظ على دورها وحضورها في بيروت بعد تعثّرات المرحلة الماضية.
كما يضفي حضور الدبلوماسي الفرنسي، وهو أحد أبرز الوجوه الدبلوماسية الدولية اليوم، بعداً معنوياً يتمثّل في ردّ الاعتبار إلى الدور الفرنسي، بعدما همّشته الولايات المتحدة وإسرائيل في إدارة الملف اللبناني، سواء عبر استبعاد باريس من لجنة «الميكانيزم» التي شُكّلت عشية وقف إطلاق النار عام 2024، أو من خلال اتفاق الإطار الذي منح واشنطن عملياً دوراً حصرياً وشاملاً في إدارة الملف اللبناني، سياسياً وعسكرياً.
منذ تسلّمه مهامه مطلع الشهر الحالي، باشر أرنو جولة واسعة من الاتصالات والزيارات داخل لبنان وخارجه، في محاولة لاستطلاع مواقف الأطراف المختلفة وبناء قنوات تواصل مباشرة مع المعنيين. وفي هذا الإطار، زار طهران والتقى مسؤولين إيرانيين، كما توجّه إلى تل أبيب حيث عقد لقاءات مع مسؤولين في حكومة الاحتلال وقيادات عسكرية. كذلك، اجتمع في بيروت بعدد من المرجعيات الرسمية والقوى السياسية، من بينها حزب الله، إلى جانب سفراء دول غربية وعربية.
وأرنو، الذي يمتلك خبرة طويلة في الوساطات وإدارة الهدن، ولا سيما في أميركا اللاتينية، فضلاً عن تجربته الواسعة في أفغانستان، يسعى إلى إيجاد نقطة انطلاق تسمح بإحداث اختراق يخفّف من حدّة التصعيد في لبنان، سواء على مستوى العدوان الإسرائيلي والاحتلال المستمر لأجزاء من الجنوب، أو على مستوى الوضع الداخلي، الذي يأمل في المساهمة في تهدئته، في ظل تنامي قلق الأمم المتحدة وجهات دولية أخرى من مخاطر انزلاق البلاد إلى صدامات داخلية.
وبحسب المعلومات، عاد أرنو بانطباعات شديدة السلبية من زيارتيْه إلى إيران وإسرائيل. فإسرائيل تبدو بعيدة عن أي نية للانسحاب من الأراضي اللبنانية، فيما تملك الأمم المتحدة مؤشرات إلى أن قوات الاحتلال تنفّذ أعمالاً إنشائية في مواقع استراتيجية وبكلفة عالية، بما لا يوحي بوجود مؤقّت، بل يعكس استعداداً لتمركز طويل الأمد، وإنشاء منطقة عازلة جنوب «المنطقة الصفراء» الممتدّة على طول الحدود مع فلسطين المحتلة.
وخلال اللقاءات، ربط المسؤولون الإسرائيليون أي بحث في الانسحاب بحزمة من الشروط الأمنية والسياسية، في مقدّمها نزع سلاح حزب الله، والحصول على ضمانات أمنية وترتيبات سياسية، مع استبعاد أي نقاش في عودة السكان قبل تحقيق هذه الشروط. في المقابل، يرفض الإيرانيون أي نقاش يتعلّق بسلاح حزب الله، ويتمسّكون بإدراج الملف اللبناني ضمن مذكّرة التفاهم بين طهران وواشنطن، من دون تقديم أي ضمانات بأن إيران لن تطلب من حزب الله الانخراط مجدّداً في القتال إذا اندلعت مواجهة جديدة بينها وبين الولايات المتحدة.
أمّا على المستوى الداخلي، فيبدو المُنسِّق الأممي بالإنابة أكثر انسجاماً مع رئيس مجلس النواب نبيه بري مما كانت عليه سلفه جنين بلاسخارت، التي أثارت إحدى إحاطاتها أمام مجلس الأمن استياءً شديداً لدى بري. كما عقد أرنو اجتماعاً مع رئيس الجمهورية جوزف عون، تصفه مصادر أممية بأنه كان «جيداً وبنّاءً».
ويرتبط أرنو أيضاً بعلاقة وثيقة مع وزير الثقافة غسان سلامة، وتعود معرفتهما إلى نحو أربعة عقود، حين كان سلامة عميداً لكلية الدراسات الدولية في باريس.
ويجمع أكثر من مصدر حكومي وسياسي وأممي على وصف أرنو بأنه يتمتّع بإحاطة واسعة بالملف اللبناني وفهم عميق لحساسياته، وينطلق في مقاربته من احترام للتجربة اللبنانية وحرص على استقرارها، إلى جانب خشية حقيقية من المصير الذي قد يواجهه لبنان في ظل التحوّلات الإقليمية والدولية المتسارعة واستمرار الحرب في الجنوب والمنطقة.
إلا أن جهود أرنو، على الرغم من أنها لا تزال في بداياتها، تصطدم بوقائع شديدة التعقيد. ففي الإقليم، لا تزال المواجهة بين طهران وواشنطن مفتوحة، مع مساعٍ أميركية لتشكيل تحالف دولي – عربي يعيد تفعيل الضغوط، وربما المواجهة، مع إيران. وفي لبنان، يستمر الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الجنوب، فيما تمضي تل أبيب في مشروع إنشاء مناطق عازلة على طول حدودها، مستندة إلى ما تعتبره مكاسب ميدانية، ومن دون إبداء أي استعداد لتقديم تنازلات، في ظل صعود كبير لليمين الإسرائيلي.
ويشكّل استحقاق اختيار أمين عام جديد للأمم المتحدة، نهاية الصيف الحالي، تحدّياً إضافياً أمام أرنو، الذي يحتاج في هذه المرحلة إلى دعم من نيويورك إذا كان يريد تحقيق أي اختراق في حالة الجمود الراهنة، في وقت تتعرّض المنظّمة الدولية للتهميش، وقطع التمويل الأميركي، وملاحقات تستهدف بعض مسؤوليها، فضلاً عن الانقسامات العميقة والاختلالات التي تعصف ببنية مجلس الأمن الدولي.
ومع انتهاء ولاية قوات «اليونيفل» الحالية نهاية العام، تواجه الأمم المتحدة أيضاً خطر خسارة أحد أبرز أوجه حضورها في لبنان. وعلى الرغم من أن جهات لبنانية لا تزال تراهن على إمكان حدوث تبدّل في الموقف الأميركي يسمح بتمرير أحد المُقترحات الثلاثة التي طرحها الأمين العام أنطونيو غوتيريش مطلع الصيف كبديل لصيغة عمل «اليونيفل»، فإن التسليم باستمرار الرفض الأميركي بدأ يتسلّل إلى حسابات مختلف الأطراف، ولا سيما في ظل استمرار المواجهة بأشكال متعدّدة، وهشاشة مذكّرة التفاهم الإيرانية – الأميركية.
وبرز خلال الأيام الماضية مؤشّر سياسي لافت تمثّل في العريضة النيابية التي تسلّمها أرنو من وفد من النواب اللبنانيين للمطالبة بتجديد ولاية «اليونيفل»، إذ خلت من توقيع كتلتَي «الوفاء للمقاومة» و«الجمهورية القوية». ويعكس ذلك تباعداً في الدوافع رغم تقاطع النتيجة؛ فحزب الله لا يخفي تفضيله إنهاء مهمة «اليونيفل»، وهو موقف يتبناه منذ سنوات، فيما تراهن «القوات اللبنانية» على دور أميركي مباشر في إدارة الملف الأمني والسياسي في الجنوب.


