| جورج علم |
تشاء الأقدار أن تكون العودة إلى “لبنان الكبير” من بوابة زوطر الغربية.
عودة مضرجة بالدماء، مبللة بالدموع، لكنها لا تحجب عنفواناً، ولا تغفل شموخ الرأس.
وتشاء الأقدار بوجود “زوطرين”، وكأن في الأمر ما يوحي إلى “ثنائيتين”، و”لبنانين”، و”ولاءين”. و”الثنائية” هنا ولّادة أهواء وأبعاد ومآرب، واكبت معظم المحطات والمطبات التي اجتازتها طوائف “لبنان الكبير”. حتى الموارنة أصابهم العطب؛ فقراءتهم راهناً قراءتان: الأولى متحمسة لـ”لبنان الكبير”، والثانية حنين متجدد نحو “لبنان الصغير”!
كان حفل تطويب البطريرك الياس الحويك مهيباً في الديمان، السبت الماضي. وكان الحضور متنوعاً، والحديث موثقاً حول إنجازاته الوطنية والإنسانية. ورغم ذلك، لم يكن جميع الموارنة في حضرته. كانت هناك شريحة لا تؤمن بما آمن به كيانياً، ولا ترى حاجة إلى التمسك بـ”لبنان الكبير” بعد كل النكسات التي حلت به، و”الموجات” التي تآلبت عليه. وحجتها أن مداميك هذا اللبنان قد أُقيمت على أساسات رخوة، فتصدعت الجدران.
ولم تعد “الهواجس” صفة ملازمة للمارونية السياسية، بل إن الأرق يطوف على غالبية الطوائف؛ فتعددت الولاءات، وتباينت المواقف، وتعاظمت الأحقاد والضغائن، وتحولت المناطق إلى فيدراليات فئوية – اجتماعية، لا تزال تشد أطنابها نحو “اللامركزيات”.
وإذا كان الموارنة على تفاوت في الرأي حول النظام والمساحة الكيانية، فإن الطوائف الأخرى ليست أفضل حالاً، ذلك أن الطائفة السنية كانت في مكان بزعامة الرئيس رفيق الحريري، وأصبحت في مكان آخر بعد استشهاده، حيث باتت الحاجة ملحة إلى خامة وقامة وزعامة تحاكي المتغيرات المصيرية العاصفة في أرجاء الوطن.
ويكفي الحديث عن “الثنائية الشيعية” للتدليل على تنوع الولاءات، وفوارق التوجهات، وإن كان الجرح يوحد، والمصيبة تجمع.
وبات واضحاً أن البنيان المشيَّد بمداميك غير متكافئة، وبنظام قائم على “الديمقراطية التوافقية” بين الطوائف، قد أدى بـ”لبنان الكبير” إلى ما هو عليه من وهن وضياع. وكانت النتيجة “مفاوضات مباشرة” مع “إسرائيل”، و”اتفاق الإطار” برعاية أميركية، وبوابة عبور مفتوحة حالياً نحو “الزوطرين”. لكن خلف البوابة يقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو يتهامس مع صديقه بنيامين نتنياهو حول مستقبل الجنوب، ومستقبل لبنان الكيان والصيغة والنظام.
ترك للبنان السيادي موقع الجندي اللبناني عند عتبة البوابة، يرحب بالعائدين إلى حنين الأرض ورائحة التراب، لكن ترامب يكمل مهمته لتنفيذ مشروعه الاحتوائي. وهو يلتقي نتنياهو، بعدما ودع الرئيس جوزاف عون، واستفاض في الحديث مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والسوري أحمد الشرع، ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، حول الخطوات الواجب تنفيذها لإحكام نوع من السيطرة على القرار السياسي، وعلى حقول النفط والغاز.
لقد أفسحت المحادثات الرسمية اللبنانية – الأميركية المجال لفتح بوابة العبور نحو “لبنان الكبير” انطلاقاً من “الزوطرين”، لكنها بمواصفات غير مكتملة، ومحاصرة بتحديات كثيرة، حيث يقف الإيراني في مواجهة مكلفة مع الأميركي – الإسرائيلي، وهو محاصر بمضيقين: مضيق هرمز، و”مضيق إسقاط النظام”.
وإن “الثنائي” الذي يستهدفه قد زاد من منسوب التحديات، وتحولت المواجهة إلى جولات استنزاف مكلفة، وفاض البركان المتفجر ليمطر بحممه الحارقة الكثير من دول الجوار.
وإذا كانت العودة إلى “لبنان الكبير” حتمية من خلال بوابة “الزوطرين”، فيفترض توسيع المسارب، وتوفير المزيد من الضمانات، بحيث لا تبقى محصورة بالوسيط الأميركي، بل يفترض توثيق عرى التنسيق والتشاور مع دول شقيقة وصديقة متمكنة. وإن صح أن لبنان قد رُبط بالقطار الأميركي، فلا بد من الإفصاح عن المحطات التي سيجتازها، لمعرفة أي لبنان سيكون، وأي سيادة وأي نظام.
ويصح القول، عند المشككين، إن هذا اللبنان أكبر من أي تسوية يفرضها الأميركي مع الإسرائيلي، كونه ضرورة لمصالح دول كبرى، من فرنسا إلى الاتحاد الأوروبي، إلى روسيا والصين، فضلاً عن سائر الدول الشقيقة والصديقة. وإن الضمانات، والقوة الضامنة، هي حديث الساعة في أكثر من عاصمة. ولا يكفي أن تبقى بوابة العودة بحراسة مراقب أميركي. وإن قَبِل “بعض” لبنان، فإن “البعض” الآخر يرفض. والمسألة أبعد من بوابة، ومن “اتفاق إطار”، و”مفاوضات مباشرة”. المسألة أن البوابة نحو “لبنان الكبير”، ومنه إلى الشرق الأوسط، إما أن تكون مضمونة ومتاحة أمام الجميع، وإما أنها لن تكون، وستتوسع المواجهة نحو حرب شاملة وتغييرية في الشرق الأوسط.
لقد جاء أنطونيو غوتيريش، في خريف أيامه في الأمانة العامة للأمم المتحدة، ليصالح سوريا، ويرفع عنها العقوبات، ويتباحث مع الرئيس أحمد الشرع في الدور الذي يريده ترامب لها في لبنان، وعلى مكتبه وثيقة بتوقيع 86 نائباً لبنانياً يطالبون باستمرار قوات “اليونيفيل” في الجنوب حتى تنفيذ آخر بند من القرار 1701.
لقد تجاهل ترامب القرار المذكور، ولا يحبذ استمرار “اليونيفيل”، ولم يحسم أمره بعد مع نتنياهو، الذي يرفض قوات أوروبية أو متعددة الجنسيات تحل مكان “القبعات الزرق”. يريد الجنوب ساحة اختبار وابتزاز، ويريد أن يكون وحده حامل المفاتيح؛ يقفل بوابة العودة ساعة يشاء، ويفتحها ساعة يتوافق مزاجه مع حامل الأختام.
لقد احتفل لبنان بتطويب البطريرك الياس الحويك، لكن هل كانت المراسم توديعاً لـ”لبنان الكبير”، أم فعل إيمان باستمراريته؟
المتفائلون يؤكدون أن الظروف الدولية التي كانت سائدة ما بين عامي 1918 و1920 لم تكن أفضل مما هي عليه اليوم، عندما تمكن البطريرك من انتزاع الموافقة على “الكيان الكبير”. فيما يؤكد المتشائمون أن الظروف الإقليمية والداخلية دفعت بلبنان ليكون بين الأشداق الأميركية – الإسرائيلية، فهل يخرج سالماً معافى!
إن بوابة العبور نحو “لبنان الذي نعرفه” مفتوحة انطلاقاً من “الزوطرين”، فهل تبقى؟ وبأي ضمانات؟
للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط


