الرئيسيةSliderلماذا اتهم جعجع بعض النواب السنّة بأنهم "سعادين"؟! (فيديو)

لماذا اتهم جعجع بعض النواب السنّة بأنهم “سعادين”؟! (فيديو)

| خلود شحادة |

في السياسة كما في التاريخ، هناك لحظات تسقط فيها الأقنعة وتظهر الحقائق على حقيقتها.

ليس كل من يرفع صوته يربح النقاش، وليس كل من يوزّع الاتهامات يملك الحقيقة. فهناك من يظن أن الكلمات النارية قادرة على إخفاء التناقضات، وأن رفع السقوف الإعلامية يكفي للهروب من الأسئلة الصعبة.

لكن اللبنانيين خبروا هذه الأساليب طويلاً، ويعرفون أن الضجيج لا يصنع موقفاً.

من هنا، لا يمكن المرور مرور الكرام على السجال الذي رافق ملف العفو العام، ولا على الكلام الذي صدر بحق النواب السنّة الذين اختاروا التمسك بقضية يعتبرونها قضية عدالة وإنصاف قبل أن تكون قضية سياسية.

ما جرى في الأيام الأخيرة لم يكن مجرد خلاف حول بند تشريعي أو إجراء برلماني، بل كشف عن مشكلة أعمق تتعلق بطريقة التعاطي مع الشريك الآخر. إذ بدلاً من مناقشة جوهر ملف العفو العام وأبعاده الاجتماعية والإنسانية والقانونية، تحوّل النقاش إلى حملة سياسية استهدفت النواب السنّة وكأنهم ارتكبوا خطيئة لمجرد دفاعهم عن مطلب يمثل شريحة واسعة من اللبنانيين.

وكعادتها، انقلبت “القوات اللبنانية” على الاتفاقات المسبقة، وغدرت بمن وثق بها من الشارع السني، الذي تسعى دائماً إلى كسب أصواته الانتخابية مستغلة غياب مرجعية سنية تقليدية، خصوصاً أن أنصار تيار “المستقبل” يتهمون “القوات اللبنانية”، وخصوصاً رئيسها سمير جعجع، بالوشاية على الرئيس سعد الحريري والمساهمة في إبعاده عن المشهد السياسي اللبناني.

النواب السنّة لم يطالبوا بانقلاب على الدستور، ولم يخرجوا على المؤسسات، ولم يفعلوا أكثر مما فعله عشرات السياسيين والأحزاب اللبنانية عبر العقود عندما استخدموا الوسائل السياسية والدستورية المتاحة للضغط من أجل قضايا يعتبرونها أساسية. فلماذا يصبح استخدام هذه الأدوات مشروعاً عندما يخدم مصالح فريق معيّن، ويتحول فجأة إلى تهمة وتعطيل عندما يتعلق الأمر بملف يرفعه النواب السنّة؟

من قال أصلاً، أن ما تعتبره “القوات” صواباً في ملف العفو العام، هو الصحيح؟!

المفارقة أن بعض الجهات التي بنت تاريخها السياسي على الاعتراض والمواجهة والضغط والتعطيل السياسي، تحاول اليوم الظهور بموقع “الحارس” الوحيد للمؤسسات. وكأن الذاكرة اللبنانية قصيرة إلى هذا الحد. فالحياة السياسية في لبنان مليئة بالمحطات التي استخدمت فيها مختلف القوى وسائل الضغط لتحقيق أهدافها، وبالتالي فإن انتقاد النواب السنّة بسبب تمسكهم بملف العفو يبدو أقرب إلى ازدواجية في المعايير منه إلى موقف مبدئي ثابت.

أما الكلام الذي صدر عن رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، والذي تضمّن أوصافاً مستفزة بحق عدد من النواب السنّة، واصفاً إياهم بـ”السعادين”، فهو أولاً يشكّل إهانة للنواب وجمهورهم، وبالتالي للسنّة، كما أنه لا يعكس قوة سياسية بقدر ما يعكس أزمة خطاب سياسي. فالقيادات تُقاس بقدرتها على إدارة الاختلاف، لا بقدرتها على إطلاق العبارات الحادة والكلمات النابية. والحجة القوية لا تحتاج إلى إهانة أحد كي تثبت نفسها. أما عندما يتحول النقاش من مضمون الملفات إلى توصيف الأشخاص، فذلك مؤشر واضح على تراجع مستوى الخطاب لا تقدمه، وغياب الحجة والبرهان.

والنواب السنة، سواء اتفق معهم البعض أو اختلف، يمثلون شريحة أساسية من اللبنانيين، واحترام خياراتهم السياسية ليس فضلاً من أحد. ومن حقهم الدفاع عن القضايا التي يعتبرونها أولوية لجمهورهم، تماماً كما تدافع سائر الكتل عن أولوياتها ومشاريعها. أما تحويل الخلاف السياسي إلى مناسبة لمسرحية من “قلة الاحترام” والشتائم والإهانات، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسامات وإعادة إنتاج الأزمات نفسها، ويظهر حجم “الإنتفاخ السياسي” الذي تعيشه “القوات اللبنانية”.

في الخلاصة، لا تكمن خطورة ما جرى في خلاف سياسي عابر حول ملف العفو العام، بل في الذهنية التي ظهرت خلال هذا السجال. ذهنية تعتبر أن من حقها احتكار الوطنية، واحتكار تفسير الدستور، واحتكار تحديد ما هو مشروع وما هو غير مشروع في العمل السياسي. وعندما يرفض الآخرون الانصياع لهذه المعادلة، تبدأ حملات التخوين أو السخرية أو الاستفزاز السياسي والإعلامي، وهذا ما برعت به “القوات اللبنانية”.

والأخطر أن بعض الخطابات السياسية لا تزال تتصرف بعقلية الوصاية، وكأن المطلوب من الآخرين أن يصفقوا ويوافقوا، لا أن يناقشوا ويعترضوا، حيث أن القوات تعتبر أنها تمتلك العهد بما فيه من رئاسة وحكومة، وبالتالي تريد فرض سيطرتها على المجلس النيابي أيضاً، والمشكلة بمن يعطيها “ورقة الفيتو” لتستخدمها بوجه شعبه.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” عبر “واتساب”، إضغط على الرابط:

https://chat.whatsapp.com/GsVKY7K10Ps5CnREsooVzZ?mode=gi_t

شريط الأحداث