الرئيسيةSliderحفل "شرب الأنخاب".. يُخشى أن يكون متسرعاً!

حفل “شرب الأنخاب”.. يُخشى أن يكون متسرعاً!

| جورج علم |

يغيب القرار 1701 عن البال، ومعه سائر قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة.

بدّلت التطورات سلّم الأولويات، وتحوّل “المجمّع الدبلوماسي” في عوكر إلى “برج مراقبة” لمجريات الأمور في الشرق الأوسط، و”مركز توزيع المهام” لتنفيذ المشروع الأميركي في المنطقة.

لم يأتِ اختيار جوزاف عون رئيساً للجمهورية من باب المصادفة. فالاختيار أميركي، مع ترك هامش عريض للاعبين الإقليميين والمحليين لتنفيذ عملية الإخراج، وفتح صندوق الاقتراع في مجلس النواب.

ولم يأتِ نواف سلام رئيساً للحكومة من نتاج “اللعبة الديمقراطية المحلية”، بل من “أفعال التفضيل” الأميركية، لأن السيناريو المرسوم يحتاج إلى ممثلين رئيسيين، وثانويين، و”كومبارس”، لإخراج فيلم أميركي خاص بلبنان، يكمّل مستلزمات المهرجان السينمائي الأميركي الكبير الذي تشهد وقائعه حالياً دول المنطقة، من إيران مروراً بدول الخليج ولبنان وسوريا والعراق، وصولاً إلى تركيا التي استضافت مؤخراً قمة دول حلف شمال الأطلسي “الناتو”، بحضور الرئيس دونالد ترامب ومشاركته.

هُدر الكثير من الحبر والورق لتدبيج المواقف المعارضة للنهج المتبع، لكنها لم تغيّر حرفاً واحداً من “اتفاق الإطار”، كونه من نتاج هوليوودي تخطيطاً وإعداداً وإخراجاً، لكن بترويج لبناني محلي، بحيث تُرك المجال للمفاوضات المباشرة كي يقال إن المفاوض اللبناني “انتزع” اتفاقاً يقضي بإعادة انتشار القوات الإسرائيلية بعد تحقيق عشرات الخطوات قبل الوصول إلى النهايات.

كانت القمة اللبنانية – الأميركية مجرد احتفال اختاره ترامب “لشرب نخب الاتفاق” مع الرئيس عون، الذي وصفه بـ”التاريخي”، رغم غياب أي صلة له بالتاريخ حتى الساعة.

“إسرائيل” غير راضية، وبنيامين نتنياهو لا يتوانى عن إصدار الفتاوى التي تؤكد بقاء الاحتلال، وعدم انسحاب جيشه، والإصرار على الاحتفاظ بـ”المنطقة الأمنية الحدودية”.

وإيران غير راضية عن الاتفاق. وهي أساساً لم تعترف بوجوده، وحصرت لبنان كبند ملحق بـ”إعلان النوايا” مع الولايات المتحدة، ونصّبت نفسها وصياً ومفاوضاً نيابة عن السلطة اللبنانية. ولم يرفض الأميركي هذه الفرضية بالمطلق، لأن له مساره المستقل الذي يشكل جزءاً من الاستراتيجية “الترامبية” في المنطقة، القائمة على احتواء النفط والغاز والثروات الطبيعية وكامل الطاقات الإنتاجية.

ويأتي مشهد المنطقتين النموذجيتين في الجنوب ليكمل ملامح الصورة. فلم يعد الصراع في الجنوب حول الأرض، بل حول النفوذ: لمن الكلمة الفصل، لنتنياهو أم للأدميرال الأميركي براد كوبر؟

إن نجاح المنطقتين التجريبيتين لا يعود إلى انتشار الجيش اللبناني، الذي عليه أن ينتشر، ومن حقه أن ينتشر، بل إلى المراقبين الأميركيين التابعين لإمرة كوبر، وإلى مدى نسبة النجاح التي سيحققونها. فهل ستكون مئة في المئة، أم أقل من ذلك؟

وبصراحة متناهية، تحوّل الجنوب إلى مسرح لصراع النفوذ بين الولايات المتحدة و”إسرائيل”. ولمن يفترض أن تعود مرجعية القرار: لواشنطنن أم لتل أبيب؟

نظرياً، واستناداً إلى سيل التقارير التي تحررها بعض مراكز الدراسات الأميركية، يفترض بـ”أميركا أولاً” أن تكون “أولاً في لبنان”. فالمشروع ليس وليد الساعة، بل هو ثمرة تخطيط رسمي للإدارات الأميركية المتعاقبة، وقد حان الأوان لتحويل ما هو مرسوم على الورق إلى خطوات تنفيذية على أرض الواقع.

ولم يكن من باب الترف بناء أكبر “مجمع دبلوماسي أميركي في الشرق الأوسط” في منطقة عوكر شمال بيروت.

كما لم يكن من باب الترف المالي إنفاق مليارات الدولارات لبناء هذا “المجمع العصري” المدجج بالتكنولوجيا المتطورة. فقد اختير لبنان، بحكم موقعه الجغرافي، وبيئته السياسية الهشة، ونظامه الطائفي الذي يسمح بارتكاب الكبائر من دون محاسبة، ليكون تحت مظلة “الرادار الأميركي” المشرف على المنطقة، والذي يتولى رصد ديناميتها بأدق التفاصيل.

كانت الأولوية لدول الخليج، لكن يبدو أن المتغيرات قد غيّرت كثيراً من الحسابات، وحتى الأسس التي كانت تُبنى عليها. فالقواعد الأميركية التي استُحدثت بغرض حماية الأنظمة تحولت إلى “مصيبة” و”نقمة”، وقد تذرعت طهران بوجودها لتمطر الدول المضيفة لها بالصواريخ والمسيّرات.

أما القول بأن الغرض من هذه القواعد هو حماية آبار النفط والممرات المائية، فإن هذه الحجة باتت ضعيفة وغير مقنعة في عصر “الذكاء الاصطناعي”، الذي يتنبأ بالحدث قبل وقوعه.

ويبقى، على هامش “فورة” الترحيب بـ”الدور الأميركي، والدعم الأميركي، والضجيج الإعلامي الأميركي الدعائي”، طيف واسع من الشكوك، وحفنة من الأسئلة المصيرية: هل يُصدَّق الأميركي؟ هل ينفذ وعوده بشفافية، ومن دون أي مقابل؟ أم يريد تحويل البلد إلى “برج مراقبة” و”سلطة وصاية” للسيطرة على حقول الطاقة، وإلحاق لبنان بـ”الفيدرالية النفطية الأميركية” قيد التكوين في المنطقة؟

والحقيقة الصادمة أن هذا الرئيس الأميركي “السوبرمان” لم ينجح في تنفيذ أي مشروع وعد به. فلا حل أزمة أوكرانيا، التي تعهد بحلها “خلال 24 ساعة” من توليه سدة الحكم، ولا تمكّن من تأميم قناة بنما، ولا السيطرة على جزيرة غرينلاند، ولا تحويل كندا إلى الولاية الأميركية الـ51، ولا حل عقدة “الدولتين”، ولا إنقاذ قطاع غزة طبقاً لمبادرته، ولا حتى حل عقدة فنزويلا. فقد ذهب إلى كاراكاس لمعالجة مشكلة، فتحولت المشكلة إلى أزمة مفتوحة تعترضها كثير من النتوءات والمطبات القاتلة.

إن مغامرات “السوبرمان” البهلوانية لا تشجع على ركوب أمواج المغامرات العاتية التي تضرب مصير الوطن ومستقبله. وربما جاء “حفل شرب الأنخاب” في واشنطن، احتفاءً بـ”اتفاق الإطار”، متسرعاً وقبل أوانه، إلا إذا كان نجاح المشروع الأميركي في المنطقة يحتم نجاحه!

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/GsVKY7K10Ps5CnREsooVzZ?mode=gi_t

شريط الأحداث