
| ماهر سلامة |
بعد أربع سنوات على تصنيفه في فئة الدخل المتوسط الأدنى، لم يتمكّن لبنان من الخروج من هذه الفئة، ما يختصر التحوّل العميق الذي أصاب الاقتصاد اللبناني منذ بداية الأزمة في نهاية 2019. فقد أبقى البنك الدولي لبنان ضمن هذه الفئة اعتباراً من 1 تموز 2026، أي مع بداية السنة المالية الجديدة للبنك. ويأتي ذلك على قاعدة مؤشّر نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي المُقدّر بـ 3560 دولاراً للفرد في عام 2024. وهذا الرقم يضع لبنان تحت عتبة الشريحة العليا من البلدان المتوسطة الدخل، إذ يحدّد البنك الدولي، للسنة المالية 2027، فئة الدخل المتوسط الأدنى بين 1176 دولاراً و4635 دولاراً للفرد، بينما تبدأ فئة الدخل المتوسط الأعلى من 4636 دولاراً. أي إن لبنان، حسابياً، يحتاج إلى زيادة تفوق 30% في نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي كي يعود فقط إلى الحدّ الأدنى من الشريحة التي كان ينتمي إليها سابقاً.
ولا يُحتسب هذا الرقم عبر تحويل بسيط للدخل من الليرة إلى الدولار بسعر الصرف الجاري. فالبنك الدولي يستخدم ما يُعرف بطريقة أطلس، وهي منهجية تهدف إلى تخفيف أثر التقلّبات الحادّة في أسعار الصرف عند المُقارنة بين البلدان. تقوم هذه الطريقة على استخدام متوسط سعر الصرف في آخر ثلاث سنوات وتعديله تبعاً للفرق بين التضخّم المحلّي والتضخم العالمي، ثم يُحوَّل الدخل القومي الإجمالي إلى الدولار ويُقسَم على عدد السكان في منتصف السنة للحصول على نصيب الفرد.
بهذا المعنى، يعكس بقاء لبنان في فئة الدخل المتوسط الأدنى، الانهيار في مستوى الدخل المقيس بالدولار، وذلك بعد سنوات طويلة كان فيها لبنان ضمن فئة الدخل المتوسط الأعلى. وهذا الانخفاض في متوسط الدخل يظهر في قدرة الأسر على الاستهلاك والوصول إلى الحاجات الأساسية، مثل الغذاء، السكن، التعليم، الصحة، الكهرباء، المياه والنقل. صحيح أن متوسط الدخل لا يعبّر وحده عن توزيع الدخل داخل البلد، لكنه يبقى مؤشراً عاماً إلى تقلّص القاعدة الاقتصادية التي يعيش منها السكان.
وتشير أدبيات البنك الدولي إلى أن الخروج من هذه الفئة ليس عملية سريعة أو تلقائية. ففي تقرير التنمية في عام 2024، الذي خُصّص لموضوع «فخّ الدخل المتوسط»، لا يتعامل البنك الدولي مع التصنيف كعتبة حسابية فقط، بل كمرحلة قد يعلق فيها الاقتصاد لسنوات طويلة. فمع ارتفاع دخل البلدان من مستويات منخفضة إلى مستويات متوسطة، تبدأ الأدوات التي دفعت النمو في المرحلة الأولى، خصوصاً الاستثمار الكثيف ورخص اليد العاملة، بفقدان فعاليتها. لذلك، يقول التقرير إن النموّ في البلدان المتوسطة الدخل يميل إلى التباطؤ عندما يصل دخل الفرد إلى نحو 10% من مستوى الدخل في الولايات المتحدة، أي ما يقارب 8 آلاف دولار حالياً.
ومن هنا تأتي فكرة «الفخّ»: البلد يصبح أغنى من أن يُنافس، فقط عبر الأجور المنخفضة، لكنه لا يكون قد بنى بعد قاعدة إنتاجية وتكنولوجية تسمح له بمنافسة الاقتصادات المتقدّمة. وبحسب البنك الدولي، لم تتمكّن منذ عام 1990 سوى 34 دولة متوسطة الدخل من الانتقال إلى فئة الدخل المرتفع، فيما بقيت 108 دول ضمن فئة الدخل المتوسط في نهاية عام 2023. وهذا يعني أن المشكلة ليست في الوصول إلى الدخل المتوسط فقط، بل في القدرة على تحويله إلى مسار صعود مُستدام.
ويطرح التقرير ما يسمّيه البنك الدولي استراتيجية المراحل الثلاث؛ أولاً تركّز البلدان المنخفضة الدخل على زيادة الاستثمار. وهذا يتضمّن بناء طرقات ومصانع، وزيادة الرساميل، وهو أصلاً أمر مفقود في الحالة اللبنانية التي تعتمد على التدفّقات المالية عبر المصارف التي انهارت. ثم عندما تصل البلدان إلى فئة الدخل المتوسط الأدنى، يصبح الاستثمار وحده غير كافٍ، بل يجب أن يُضاف إليه ما يسمّيه التقرير استيعاب التكنولوجيا والمعرفة من الخارج ونشرها داخل الاقتصاد. أي يصبح المطلوب إدخال طرق إنتاج جديدة، وأساليب إدارة حديثة، وتكنولوجيا قابلة للتعميم بين الشركات والقطاعات. أمّا في الشريحة العليا من الدخل المتوسط، فيصبح التحدّي أكبر، وهو الانتقال من استيراد التكنولوجيا وتطبيقها إلى إنتاج الابتكار نفسه.
في هذا السياق، يفيد التقرير في قراءة حالة لبنان. فلبنان لم يتراجع فقط في تصنيف البنك الدولي، بل عاد إلى مرحلة السؤال الأساسي: كيف يمكن إعادة بناء قاعدة الدخل؟ ولا يكفي هنا التعويل على تحسّن ظرفي في الاستهلاك أو التحويلات أو الخدمات. فهذه العوامل قد تخفّف حدّة الأزمة، لكنها لا تنقل الاقتصاد تلقائياً إلى شريحة عليا. أمّا العودة إلى فئة الدخل المتوسط الأعلى، فتحتاج إلى نموّ في الدخل الحقيقي، واستثمار مُنتِج، واستيعاب التكنولوجيا والمعرفة، وإلى تحسين إنتاجية الشركات والعمال.
ويشدّد التقرير أيضاً على أن البلدان التي نجحت في تجاوز الفخّ لم تفعل ذلك عبر حماية الوضع القائم، بل عبر تغيير قواعد العمل داخل الاقتصاد. وهذا الأمر يعني ضرورة «تأديب» أصحاب المصالح الراسخة، بحسب تعبير البنك الدولي، أي منع الشركات الكبرى أو الاحتكارات أو المؤسّسات النافذة من تعطيل المنافسة والإصلاح، وفي الوقت نفسه «مكافأة الجدارة» عبر توسيع قاعدة المهارات، وتحسين التعليم، وتمكين الشركات القادرة على التعلم والتطور. لذلك، وهذا ما يُشكِّل فرصة لتفكيك الترتيبات القديمة التي تعيق النمو، بشرط أن تُستخدم لإعادة بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وعدالة.
وبالنسبة إلى لبنان، هذا الكلام يعني أن البقاء في فئة الدخل المتوسط الأدنى ليس قدراً دائماً، لكنه أيضاً لن يُعالج تلقائياً، عبر انتظار التحسّن الاقتصادي، كما فعلت الحكومات المتعاقبة منذ اندلاع الأزمة. فالخروج من هذه الفئة يحتاج إلى أكثر من استقرار نقدي أو انتعاش قصير في السياحة والاستهلاك. فهو يحتاج إلى اقتصاد قادر على خلق دخل مُستدام، يتمثّل بإنتاجية أعلى، مؤسسات تعمل، تعليم مرتبط بسوق العمل، كهرباء وخدمات أساسية، واستثمارات لا تذهب فقط إلى الريع أو الاستيراد، بل إلى قطاعات قادرة على رفع دخل الفرد فعلياً.
لذلك، فإن عودة لبنان إلى فئة الدخل المتوسط الأعلى لا تتوقّف على تحسّن سنة واحدة في المؤشّرات، بل على مسار نموّ مُستدام في الدخل الحقيقي، واستقرار سعر الصرف، وتحسّن الإنتاجية، واستعادة الاستثمار، وإعادة بناء الخدمات العامة. وبصورة حسابية مُبسّطة، إذا نما نصيب الفرد من الدخل القومي بنحو 2% سنوياً، فقد يحتاج البلد إلى أكثر من عقد للعودة إلى عتبة الشريحة العليا، وإذا بلغ النمو 3% سنوياً قد يحتاج إلى نحو تسع سنوات؛ أما إذا حقّق نمواً يقارب 5% سنوياً فقد تختصر المدة إلى نحو ست سنوات. لكن هذه الحسابات تبقى تقريبية، لأن عتبات البنك الدولي نفسها تُعدَّل سنوياً، ولأن لبنان لا يبدأ من أزمة دخل فقط، بل من أزمة أعمق في الإنتاج، والمؤسسات، والخدمات، والقطاع المالي.


