| جورج علم |
لا تحتمل المنطقة “رأسين نوويين”: إما أميركا، أو “إسرائيل”!
المواجهة المدمّرة مع إيران جزء من مخطط أوسع وأشمل. وجوهر الصراع، بأبعاده الإستراتيجية، هو: من يكون “أولاً” في الشرق الأوسط؟ الولايات المتحدة أم “إسرائيل”؟!
ويحجب التصعيد المتمادي، مشاريع اقتصادية وأمنية تديرها تكتلات سياسية كبرى برعاية أميركية.
ويشكّل “التحالف النفطي” سلّم الأولويات، لكن لا شيء يُبنى في الفراغ، ولا بدّ من قيام “تحالف أمني” يشكّل الركيزة الضامنة. وهذا ما تسعى إليه إدارة الرئيس دونالد ترامب، وفقاً لـ”مراكز الأبحاث والدراسات الأميركية” من جهة، و”لجان العمل الخاصة” داخل الكونغرس من جهة أخرى.
وما تخطّط له واشنطن ليس بغفلة عن منظمة “إيباك” وسائر المنظمات الصهيونية الأخرى. فقد غذّت هذه المنظمات مراكز القرار في “إسرائيل” بكمّ وافر من المعلومات، فضلاً عن شبكات التجسس التي ضخّت ما يكفي من التقارير، فشكّلت منعطفاً مهماً في سياسة الأحزاب اليمينية المتطرفة، ودفعت بنيامين نتنياهو إلى الإعلان عن ضرورة “استقلالية القرار”، ولا سيما في ما يتصل بـ”أهداف إسرائيل الكبرى”، والحدّ من الاعتماد على الدعم الأميركي.
والأزمة القائمة بين واشنطن وتل أبيب ليست سطحية، بل عميقة الجذور، وإن كانت المصلحة المرحلية تقضي استخدام الضوابط، للانصراف إلى مواجهة “الحرس الثوري” وأذرعه المتمددة في المنطقة.
وتملك الإدارة الأميركية “مدوّنة سلوك” تسجّل المآخذ الجدية على السلطة التنفيذية في “إسرائيل”، ولا سيما خلال الولايات المتعاقبة لنتنياهو في سدّة الحكم، انطلاقاً من اتفاقيتي السلام مع كل من مصر والأردن، اللتين لم تُعرهما تل أبيب الاهتمام الجدي لتغيير ثقافة العداوة، ودفع العلاقات إلى مستويات راقية من التعاون والتكامل على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية.
ولم تستفد “إسرائيل” من “الاتفاقيات الإبراهيمية”، رغم الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة مع الدول العربية، بل تصرفت بعنجهية، ولا تزال، لفرض أمر واقع على الآخرين، وكأنها “القائد”، وصاحبة الحق المطلق في إملاء القرارات والتوجهات.
ولم تعترف بحق الفلسطينيين في إقامة دولة، لا ضمن مشروع “حل الدولتين”، ولا وفق الصيغ والمبادرات الكثيرة التي قدّمتها تباعاً الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، بل أصرت على سياسة الاقتلاع والاجتثاث والتشريد، ومواجهة كل من يطالب بإحقاق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
ولم تحترم مبادرة ترامب حول قطاع غزة، بل باشرت – ولا تزال – بالتنصل منها والالتفاف عليها، لفرض هيمنتها أمنياً وسياسياً واقتصادياً.
حتى الحرب على إيران، كان هناك توافق على المواجهة، واختلاف حول الأهداف. فما يريده ترامب هو الاستفادة، قدر الممكن، من المنجم النفطي – الاقتصادي الإيراني، فيما يريد نتنياهو تغيير النظام ونشر الفوضى.
ورغم التباين الواضح في المواقف والمقاربات، بقيت “المساكنة” قائمة، واعتبرها سفير الولايات المتحدة لدى تل أبيب، مايك هاكابي، “ضرورة مصيرية ملحّة”، وشدّد على حتمية “ردم الهوّات، وتجاوز التباينات القائمة بين الحليفين المتحالفين في السراء والضراء”. إلا أن اجتماع دول حلف شمال الأطلسي “الناتو” في أنقرة، برئاسة الرئيس رجب طيب أردوغان، وحضور الرئيس ترامب ومشاركته، زاد من عمق الهوة، وأشعر نتنياهو بقوة الاستهداف والتهميش.
لقد أطلق ترامب من أنقرة مشروعين: “تحالفاً نفطياً – اقتصادياً”، و”تحالفاً أمنياً”. ومهّد لذلك باجتماعات عمل عقدها تباعاً مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس السوري أحمد الشرع، ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، والرئيس اللبناني جوزاف عون.
وكان أول الغيث توقيع وزير النفط العراقي، باسم العبادي، اتفاقية مع الجانب السوري لمدّ خط أنابيب نفطي جديد، في خطوة تأتي ضمن حزمة تفاهمات اقتصادية أبرمت خلال زيارة الزيدي إلى واشنطن.
ويُعتبر التوقيع خطوة أولى في مسافة الألف ميل التي تقود إلى قيام “تحالف اقتصادي جديد في المشرق العربي”.
ويشكّل إعادة إحياء مسار تصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية، ليكون بديلاً من خط كركوك – بانياس التاريخي، الذي خرج من الخدمة منذ سنوات.
وتصل الطاقة الاستيعابية للخط الجديد إلى نحو مليون برميل يومياً، وسيستغرق تنفيذه ثلاثين شهراً.
ويؤكد وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت، أن إدارة ترامب تتبنّى رؤية تهدف إلى تحويل الشرق الأوسط من منطقة صراعات إلى مركز للتجارة والاستثمار، وأن تعزيز الاستثمار يمثّل الطريق الأفضل لتحقيق الاستقرار والسلام، وتوفير فرص العمل لشعوب المنطقة.
يبقى السؤال: أين “إسرائيل”؟ وما موقعها من هذا التحالف؟
الجواب حدّده ترامب، فقال: “على إسرائيل أن تهدأ، وأن تنسحب من سوريا ولبنان. من حقها أن تطالب بالأمن والاستقرار، لكن أمنها واستقرارها لا يمكن أن يكونا على حساب أمن الآخرين واستقرارهم”.
ولا يرى اقتصاداً معافى، واستثماراً مزدهراً، إلا في ظل وجود أمن مستقر وبيئة هادئة. ولا مكان لـ”إسرائيل” في أي تحالف إقليمي، إلا إذا غيّرت سلوكها، وانتهجت سياسة مغايرة لتلك التي تنتهجها الآن. هكذا يقول التركي والعربي والخليجي.
وإذا كانت الحاجة ملحّة إلى صياغة “شراكة اقتصادية إستراتيجية” لكل هذه الدول والكيانات، فإنها تصبح أكثر إلحاحاً لصياغة “شراكة أمنية” تنشر مناخ الهدوء والاستقرار. وإن البحث جارٍ حول آليات العمل للوصول إلى “حلف أمني مشرقي”، على غرار حلف شمال الأطلسي، يكون مؤتمناً على تطبيق إستراتيجية أمنية – اقتصادية هادفة ومتكاملة.
ولا يمكن لـ”إسرائيل” أن ترفض وجود “اليونيفيل”، وترفض وجود قوة أوروبية أو متعددة الجنسيات، وتحصر الحق والمشروعية بجيشها بوصفه قوة احتلال!
ولا يمكن لنتنياهو صياغة شرق أوسط جديد على قياس مصالحه، بمعزل عن واشنطن. لقد رسم له ترامب الخطوط الحمراء: أمن “إسرائيل” ضمانة أميركية، لكن “أميركا أولاً” لا تقبل أن تكون “إسرائيل أولاً” في الشرق الأوسط. فمصالحها فوق أي اعتبار!


