الرئيسيةسياسةوثائق نيسان تفضح عون: كيف تنازل عن بنود تحفظ السيادة؟

وثائق نيسان تفضح عون: كيف تنازل عن بنود تحفظ السيادة؟

| ابراهيم الأمين |

بعد الجولة الأولى من المفاوضات المباشرة بين وفد سلطة الوصاية والوفد الإسرائيلي في واشنطن، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية، في 15 نيسان الماضي، بياناً أكّدت فيه استمرار المسار التفاوضي، على أن يُعقد لقاء ثانٍ في وقت لاحق لاستكمال البحث والتوصل إلى اتفاق.

وعندما أبلغ الرئيس جوزيف عون الإدارة الأميركية استعداده للتفاوض المباشر، وعزّز ذلك بقرار الحكومة الصادر في 2 آذار الماضي، باعتبار المقاومة مُنظّمة غير شرعية، بدأت الجهات المعنية في الولايات المتحدة إعداد مُسوَّدة اتفاق أمني، قبل أن تحوّلها، عشية جلسة 14 نيسان، إلى مشروع اتفاق أشمل، ثم إلى «إعلان نوايا» بعدما رفضت إسرائيل المفاوضات.

لكنّ التطورات الإقليمية سرعان ما بدّلت المشهد. ففشل الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، وإعلان وقف إطلاق النار، دفعا إسرائيل إلى القبول بالذهاب إلى مفاوضات مع لبنان، بالتزامن مع إطلاق الإدارة الأميركية (وليس وزير الخارجية ماركو روبيو كما يروّج كثيرون) برنامج عمل مُكثّفاً هدفه فصل جبهة لبنان عن الجبهة الإيرانية، ورفض شمول لبنان بوقف إطلاق النار. إلّا أن التغوّل الإسرائيلي خلط الأوراق، بعد ارتكاب العدو مذبحة «الأربعاء الأسود»، في 8 نيسان الماضي، ما أثار غضب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ووصف الأمر بأنه «حماقة»، بحسب ما نقل مساعدوه لاحقاً إلى أكثر من مسؤول عربي وإقليمي.

وطلب من رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو «الانخراط في مفاوضات مباشرة مع لبنان، باعتبارها الخيار الوحيد المُتاح»، ومارس ضغوطاً أفضت إلى وقف «الغارات العشوائية» على بيروت والضاحية الجنوبية.

وأشار أعضاء في الوفد اللبناني إلى أنهم لمسوا تبدّلاً واضحاً في سلوك الأميركيين والإسرائيليين خلال المفاوضات، إلا أنهم لم يحاولوا استثمار هذا التحوّل لمصلحة لبنان، بعدما دخلوا المفاوضات بعقلية الاستسلام، انطلاقاً من قناعتهم بأن مواجهة إسرائيل غير مُمكِنة، وأن التسليم بالشروط الأميركية هو الخيار الوحيد. ويضاف إلى ذلك أن من أرسلهم كان مُهتماً بالوصول إلى اتفاق مع إسرائيل، يحقّق عملياً الهدف نفسه الذي سعت إليه الحرب، والمُتمثِّل في القضاء على المقاومة.

الاستقالة الطوعية

في خضمّ المفاوضات، كان المساعد الحكومي لرئيس الجمهورية، نواف سلام يرفض أن يشرح حتى للمقرّبين منه حقيقة ما يجري. وكلّما احتدم النقاش حول الملف، كان يحسمه بالقول، رافعاً صوته: «الملف كله في بعبدا، وليست لي علاقة بالتفاصيل». وعندما حاول أكثر من وزير نقل النقاش إلى مجلس الوزراء، رفض سلام ذلك، معتبراً أن الدستور يمنح رئيس الجمهورية حق إدارة المفاوضات بالتنسيق مع رئيس الحكومة، وأن لا موجب لعرض الملف على مجلس الوزراء قبل التوصّل إلى اتفاق نهائي. وظل مُتمسِّكاً بهذا الموقف إلى درجة أن بعض الوزراء اقتنعوا فعلاً بأنه غير مُطَّلِع على تفاصيل المفاوضات، ولا سيما بعدما أجاب أحدهم، عندما سأله عن نص اتفاق الإطار، بالقول: «ابحث عن النص على موقع وزارة الخارجية الأميركية، فأنا قرأته هناك».

غير أن سلام شريك كامل في توفير الغطاء لما قام به وفد التفاوض. وكان يتلقّى باستمرار تذكيراً من المندوب السامي السعودي يزيد بن فرحان بضرورة حماية ما يقوم به عون. حتى إن مسؤولاً بارزاً في الوفد أكّد أنه لم يسمع من سلام أي ملاحظة أو اعتراض على الأوراق التي كانت تُعرض خلال المفاوضات.

ولا تكمن المشكلة هنا في موقف سلام السياسي المُناهِض للمقاومة، بل في إضعافه موقع رئاسة الحكومة وتفريطه في صلاحياته الدستورية. فهو لم يدافع يوماً عن اختصاص مجلس الوزراء في مناقشة مسار التفاوض، رغم إدراكه أن مجرّد توقيع أي موظف رسمي، باسم الدولة اللبنانية، على ورقة أو اتفاق، يشكّل عملاً سياسياً يرتّب التزامات على الدولة بأكملها، وهو سبب كافٍ لإحالة الاتفاق إلى مجلس الوزراء لمناقشته.

وكان سلام، كما عون، يراهن ضمناً على غياب أي قوة سياسية داخل الحكومة قادرة على فرض فتح النقاش. فالثنائي (حركة أمل وحزب الله) لم يتوصّل إلى مقاربة موحّدة لكيفية التعامل مع الملف، فيما حسم الرئيس نبيه بري، من جانب واحد، أنه لا يريد تعريض الحكومة لخطر السقوط. واستفاد عون وسلام من هذا الواقع ليكرّرا باستمرار أنهما ينسّقان جميع خطواتهما مع بري.
ورغم أن بري تعمّد تسريب معلومات عن انقطاع التواصل بينه وبين عون، فإنه لم يُصدِر أيّ نفي لادّعاءات عون بالتنسيق بينهما. وفي العرف السياسي اللبناني، فإن الحديث عن عدم وجود تواصل لا يمكن اعتباره نفياً حاسماً، وهو ما يعكسه أداء الوزراء.

كما أن وليد جنبلاط، الذي رفع تدريجياً سقف انتقاداته للاتفاق، لم يطلب من ممثّليه في الحكومة إثارة الملف داخل مجلس الوزراء. والأمر نفسه انسحب على الوزيرين طارق متري وغسان سلامة، اللذين أبلغا رئيس الحكومة رفضهما للاتفاق، لكنهما لم يريا موجباً لخوض مواجهة سياسية لفرض مناقشته داخل الحكومة. وهذا ما جعل الحكومة، في كثير من الأحيان، أقرب إلى «تجمّع وزاري» لا يجمع أطرافه سوى طاولة الاجتماع، فلا مجلس الوزراء مؤسسة، ولا تضامن حكومياً حقيقياً، وكأنّ الحكومة بأكملها دخلت في حالة استقالة لم تُترجم رسمياً بعد.

أين عبارة الانسحاب؟

وبالعودة إلى أوراق التفاوض، التي اطّلعت «الأخبار» على نسخة منها، يتبيّن أنها تضمّنت مُسوَّدة لـ«إعلان النوايا»، كانت مُرفقة بمُلحق أمني. وعند مقارنتها بالنص الذي وُقّع رسمياً، يمكن ملاحظة الآتي:

المُسوَّدة الأولى كانت تحمل عنوان «مُلحق المسار الأمني»، ونصّت على أنه «المُلحق الأمني لإعلان النوايا ويشكّل جزءاً لا يتجزأ منه، ويحدّد الأحكام التنفيذية، ويُعدّ سرياً وسيظل كذلك إلى أن يتفق الطرفان على خلاف ذلك». كما تضمّنت أحد عشر بنداً (اختُزلت إلى ستة فقط في النسخة النهائية). البند الثاني من المُسوَّدة المتعلّق بـ«المناطق التجريبية»، نصّ بوضوح على «استعادة السلطة اللبنانية» وتحقيق «الانسحاب التدريجي لإسرائيل من كامل جنوب لبنان». وكانت عبارتا «الانسحاب» و«كامل جنوب لبنان» واردتيْن بصورة صريحة، قبل أن تُحذفا بالكامل من النسخة النهائية التي وقّعتها مندوبة الرئيس جوزيف عون في واشنطن.

بقية البنود الأخرى أعادت التأكيد على «التزام» سلطة الوصاية القيام بكل «التدابير القانونية والعملياتية اللازمة لضمان أن جميع الجماعات المُسلحة غير الحكومية وخاصة حزب الله، ليس لها دور عسكري أو قدرات مُسلّحة في أي مكان في لبنان»، وأن لبنان سيقوم بـ«إجراءات قانونية إضافية لحظر الجهاز العسكري والأمني لحزب الله، وقطع مصادر التمويل، وسيعمل بشكل دائم على تفكيك جميع البنية التحتية العسكرية المُرتبطة والشبكات الداعمة على مستوى البلاد». إلا أن البند الرقم 9 في مُسوَّدة المُلحق نصّ مجدّداً، وبشكل واضح، على «الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية وإبرام اتفاق السلام والأمن الشامل على المسار السياسي»، علماً أن البند نفسه يربط هذا الانسحاب بـ«إتمام المراحل الأمنية المُتفق عليها بنجاح بما في ذلك نزع السلاح وتفكيك الجماعات المُسلحة غير الحكومية على مستوى البلاد والسيطرة الفعّالة على قوات الجيش اللبناني».

المُهِم في ما سبق، أن عبارتي «الانسحاب» الإسرائيلي، ومن «كامل» الأراضي اللبنانية، كانتا ضمن المُسوَّدة. إلا أن فريق عون تراجع عنها، وقبل بالتعديل الذي أضافته حكومة العدو، والذي اطّلع عليه أعضاء الوفد خلال آخر اجتماع في واشنطن. فقد تأكّد أن العدو أرسل «ملاحظات – تعديلات» كُتبت فوق النسخة الأولى، ويومها جاء الاتصال من بيروت، فتمّ إبعاد الوفد العسكري، وطلب عون من الفريق التوقيع على الورقة المُعدّلة التي لا تتضمّن كلمة «انسحاب» وتتحدّث عن «أراضٍ لبنانية» وليس عن كامل الأراضي اللبنانية. وتبيّن بعد ذلك، أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، اتصل بعون وطلب منه إبلاغ الوفد اللبناني بضرورة السير في التعديلات، حتى «لا يطير الاتفاق».

وقد سعى عون لاحقاً إلى نفي الرواية التي تحدّثت عن قبوله التعديلات تحت ضغط التهديد بإلغاء لقائه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رغم أن مسؤولين بارزين في واشنطن أبلغوا فريقه بأن «عدم توقيع الاتفاق يعني أنه ليس هناك ما يدعو ترامب إلى استقباله».وفي المقابل، أخذ عون يبرّر موافقته على التعديلات بالقول إن التوقيع حال دون تنفيذ اجتياح إسرائيلي واسع كان يستهدف مدينة النبطية وقراها، وكذلك مدينة صور وقراها، وأنه منع وقوع مجازر كبيرة بحق المدنيين.
تُرى، ما الذي سيقدّمه عون أيضاً، كرمى لعينيْ «صديقه» ترامب؟!

شريط الأحداث