الرئيسيةSliderالكونغرس يهزّ "التابو" الإسرائيلي: كيف يستفيد "حزب الله" من انتهاء "الشيك على...

الكونغرس يهزّ “التابو” الإسرائيلي: كيف يستفيد “حزب الله” من انتهاء “الشيك على بياض”؟

| زينة أرزوني |

لعقود طويلة، كانت المساعدات الأميركية لـإسرائيلأشبه بقانون من قوانين الطبيعة؛ لا تُناقش، ولا تُراجع، ولايجرؤ سياسي أميركي على الاقتراب منها إلا وهو يرتديخوذة سياسيةتحسباً لسقوط مستقبله الانتخابي.

أما اليوم، فيبدو أن هذهالمسلّمة المقدسةبدأت تتلقى أولى إشعارات المراجعة، ليس لأن واشنطن اكتشفت فجأة قيمة أموال دافعي الضرائب، بل لأن السياسة الأميركية قررت أن تلتهم أبناءها، كعادتها.

إن تصويت مجلس النواب الأميركي على تعديل يطالب بوقف المساعدات العسكرية السنوية لـإسرائيل، والبالغة 3.3 مليارات دولار، لم ينجح في تمرير القرار، لكنه نجح في تمرير رسالة أكثر إزعاجاً لتل أبيب، مفادها أنه لم يعد الجميع يغني اللحن نفسه.

صحيح أن الأغلبية الجمهورية سارعت إلى إنقاذ المساعدات، لكن المفاجأة لم تكن في سقوط التعديل، بل في أن أكثر من مئة نائب ديمقراطي أيدوه، بينهم أسماء لطالما اعتُبرت من أكثر الشخصيات قرباً منإسرائيل“.

فجأة، أصبح السؤال داخل الحزب الديمقراطي ليس: “كيف ندعم إسرائيل؟، بل: “إلى متى؟ وبأي ثمن؟“.

يبدو أن الحرب على غزة لم تترك آثارها في الشرق الأوسط فقط، بل وصلت شظاياها إلى الممرات الهادئة في الكونغرس الأميركي، حيث اكتشف بعض النواب أن الناخبين، وخصوصاً الشباب، لا يصوتون بالضرورة وفق الكتيّب التقليدي للعلاقات الأميركيةالإسرائيلية.

أما فيإسرائيل، فقد بدا المشهد أشبه بمن يكتشف أنبطاقة الائتمان الذهبيةالتي استخدمها لعقود، قد تقترب من نهاية صلاحيتها. لذلك، لم يكن مستغرباً أن يدقمعهد الأمن القومي الإسرائيليناقوس الخطر، ويفردلها مساحة واسعة من النقاش، محذراً من أن ما جرى ليس حادثاً عابراً، بل ربما بداية مسار سياسي جديد قد يجعل كل دولار من المساعدات يحتاج إلى معركة تصويت جديدة، بدلاً من أن يمر تلقائياً، كما اعتادت تل أبيب.

والمفارقة أن المشكلة لا تكمن فقط في قيمة الأموال، بل في أن القضية الفلسطينية تحولت من ملف هامشي داخل الحزب الديمقراطي إلى معيار سياسي وأخلاقي بالنسبة إلى قطاع واسع من قواعده. وحتى جماعات الضغط، التي كانت تتحرك في واشنطن بثقة من يعرف نتائج المباراة قبل بدايتها، لم تعد قادرة على ضمان الفوز بالسهولة نفسها.

لكن من يظن أن الجمهوريين يعيشون شهر عسل سياسي معإسرائيل، قد يكون متسرعاً. صحيح أنهم لا يزالون الأكثر حماسة للدفاع عنها، إلا أن داخل الحزب نفسه أصواتاً بدأت تطرح سؤالاً مختلفاً: لماذا يجب أن تتحمل الولايات المتحدة دائماً كلفة كل صراع خارجي؟

وتصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، وما أثارته من جدل، عكست أن تيارأميركا أولاًلا يرى التحالفات الخارجية بالقداسة التي كانت تراها الأجيالالجمهوريةالسابقة. وبالنسبة إلىإسرائيل، فإن الخطر لا يكمن فقط في الديمقراطيين الذين يراجعون الدعم، بل أيضاً في جمهوريين قد يقررون يوماً أن فاتورة السياسة الخارجية أصبحت مرتفعة أكثر من اللازم.

أما الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فقد بدا في خطابه الأخير وكأنه يخوض معركته مع النظام الانتخابي الأميركي أكثر مما يخوضها مع خصوم الولايات المتحدة. وبين الحديث عن انتخابات عام 2020 والهجوم على المؤسسات، بدا أن الهم الأساسي هو حماية المستقبل السياسي للحزب الجمهوري قبل أي ملف خارجي، بما في ذلكإسرائيل“.

كل ذلك يضع تل أبيب أمام مشهد غير مألوف؛ فالعلاقة التي كانت تُقدَّم باعتبارها فوق الخلافات الحزبية، أصبحت اليوم جزءاً من الانقسام الأميركي نفسه. ولم تعدإسرائيلتحظى بالإجماع الذي اعتادت عليه، بل أصبحت ورقة إضافية في بازار الانتخابات الأميركية، تُستخدم حيناً لاستقطاب الأصوات، وحيناً آخر لاسترضاء القواعد الغاضبة.

وبالطبع، لا يعني هذا أن الولايات المتحدة تستعد للتخلي عنإسرائيل، فالمؤسسات الأميركية لا تزال تنظر إليها باعتبارها حليفاً استراتيجياً مهماً في المنطقة. لكن الفارق أن النقاش انتقل من سؤال: “هل ندعم إسرائيل؟إلىسؤال أكثر إحراجاً: “ما حدود هذا الدعم؟ ومن يدفع ثمنه؟“.

قد يكون التغيير الحقيقي ليس في قيمة المساعدات، ولا في عدد الأصوات داخل الكونغرس، بل في سقوط إحدى أكثر المسلمات رسوخاً في السياسة الأميركية. فعندما يصبح الملف الإسرائيلي قابلاً للنقاش العلني بعد أن كان من المحرمات السياسية، فهذا يعني أن قواعد اللعبة نفسها بدأت تتغير.

ولكن كيف يمكن أن يُقرأ هذا المشهد الأميركي من زاوية نظرحزب اللهوإيران؟

يمكن أن يُقرأ بوصفه فرصة سياسية أكثر منه تحولاً استراتيجياً حاسماً، فالتقدير لدى هذا المحور قد يكون أن اتساع الجدل داخل الولايات المتحدة حول كلفة الدعم لـإسرائيليمثل مؤشراً إلى أن الحرب لم تعد تُدار في الميدان فقط، بل انتقلت أيضاً إلى الساحة السياسية والإعلامية الأميركية. ومن هذا المنطلق، قد يرى أن استمرار حرب الاستنزاف لفترات طويلة يزيد الضغوط على الإدارات الأميركية، ويجعل الدفاع السياسي عنإسرائيلأكثر تعقيداً في ظل الاستقطاب الحزبي والانتخابي.

وبناءً على هذه القراءة، قد يعتبرحزب اللهوإيران أن معادلةالاستنزافلا تقتصر على الجانب العسكري، بل تشمل استنزاف الرصيد السياسي والدبلوماسي لـإسرائيلداخل حليفتها الأهم. فكلما ارتفعت كلفة الحرب اقتصادياً وإنسانياً، واتسعت دائرة الانتقادات الدولية، ازداد حضور الأصوات الأميركية المطالبة بإعادة تقييم طبيعة الدعم وشروطه، وهو ما قد يُنظر إليه في طهران والضاحية الجنوبية باعتباره مكسباً سياسياً، حتى لو بقي التحالف الأميركيالإسرائيلي قائماً.

مع ذلك، لا يُرجَّح أن تبني إيران أوحزب اللهاستراتيجيتهما على فرضية تراجع الدعم الأميركي بصورة جذرية، إذ يدركان أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب تستند إلى اعتبارات مؤسساتية وأمنية تتجاوز نتائج الانتخابات أو تبدل موازين القوى داخل الكونغرس. لذلك، قد يكون الرهان الأساسي بالنسبة إليهما هو تعميق النقاش الأميركي حول كلفة هذا التحالف وحدوده، وليس انتظار انهياره أو انتهائه.

وربما يكون المشهد كله أشبه بمسرحية سياسية أميركية طويلة؛ الممثلون يتبدلون، والخطابات تتغير، لكن الجمهور يكتشف في كل فصل أنالثوابتالتي قيل إنها أبدية، ليست سوى بنود قابلة لإعادة التفاوض عندما تقترب صناديق الاقتراع.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/GsVKY7K10Ps5CnREsooVzZ?mode=gi_t

شريط الأحداث