التقى رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة برئيس الجمهورية جوزاف عون، في قصر الرئاسة في بعبدا، ظهر الخميس، وقال إنه كان لقاءً مفيداً على مختلف المستويات، حيث تطرّق الحديث ليشمل العديد من القضايا والمسائل التي تهم اللبنانيين.
وقال السنيورة: وأنا، من هنا، من قصر بعبدا، ومن مقر رئاسة الجمهورية، أود أن أنوّه وأشدد على النقاط الآتية: أولاً، انطلاقاً من الموقف الذي اتخذته وعبّرت عنه في المقال الذي نُشر في الصحف اللبنانية يوم الجمعة الماضي، فإنني أكرر وأؤكد على ضرورة الوقوف، ومن دون تردد أو التباس، إلى جانب الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها الدستورية وشرعيتها، في مواجهة كل حملات النيل من دورها وسلطتها وهيبتها ووجودها. كما أؤكد دعم خيار فصل المسار التفاوضي اللبناني المباشر عن أي مسار آخر، والدفاع عن حصرية قرار الحرب والسلم، وحصرية السلاح، وحق التفاوض باسم الدولة اللبنانية.
وأضاف: لبنان دولة مستقلة وسيدة، تتمتع بكل المقومات التي تسمح لها بالتفاوض عن لبنان وباسم لبنان، بقيادة الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام، وذلك من دون أن يُلحق لبنان أو يُربط بأي مسار تفاوضي آخر. ومن دون أن يعني ذلك عدم الإدراك بأن كل تقدم إيجابي على مسارات أخرى ينعكس إيجاباً على المسار اللبناني. ولا بد لي هنا من أن أستشهد بما ينص عليه الدستور في هذا الصدد، حيث ينص على أن يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة.
وتابع: ثانياً، عشية سفر فخامة الرئيس إلى واشنطن للاجتماع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، من المهم القول إننا نراهن كل الرهان على حكمة ووعي ووطنية وشجاعة فخامة الرئيس، وأنه سوف يبذل كل جهده لتحقيق حقوق لبنان، وفي مقدمتها تحرير أرضه من الاحتلال الإسرائيلي الذي تمكن، حتى الآن، من التمدد على الأراضي اللبنانية، وهو ما أسهمت فيه ممارسات وقرارات حزبية خارجة عن الدولة اللبنانية. إن فخامة الرئيس يتمتع بدعم الكثرة الكاثرة من اللبنانيين، ويمكنه أن يتسلح بهذا الدعم، كما يمكنه أيضاً أن يستفيد من المواقف المعارضة له، بحيث يشكل مجموع المواقف المؤيدة وغير المؤيدة عنصر قوة يعزز موقفه التفاوضي، من أجل تحقيق الأهداف التي يتوخاها لبنان من هذه الزيارة الرسمية، وفي مقدمتها الانسحاب الكامل للاحتلال الإسرائيلي، والعودة الكاملة والسريعة والكريمة للنازحين اللبنانيين قسراً إلى بلداتهم وقراهم، وبدء عملية إعادة البناء والإعمار، واستعادة النهوض الاقتصادي للبنان.
وأوضح أن “ذلك يأتي بالتوازي مع المضي في مشروع بسط سلطة الدولة اللبنانية، بقواها الذاتية، على كامل أراضيها، مع الاستمرار في مسيرة الإصلاح وإعادة بناء الدولة الرشيدة، التي تحتاج إلى دعم مواطنيها وأشقائها وأصدقائها في العالم، في مواجهة مشاريع التسلط والسيطرة، أياً يكن مصدرها”.
وأردف: ثالثاً، أود أن أنتهز هذه المناسبة، وفي ضوء ما سمعته البارحة من وفد الاتحاد الأوروبي، بعد زيارته لدولة رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام، والذي أكد ضرورة إقرار وتنفيذ مشروعَي قانونين إصلاحيين ماليين أساسيين: قانون إصلاح أوضاع المصارف وإعادة تنظيمها وفق المعايير الدولية، وقانون الانتظام المالي واسترداد الودائع. وهذه خطوات إصلاحية ضرورية لإطلاق برنامج مدعوم من صندوق النقد الدولي، يمهد للحصول على الاستثمارات والدعم المالي من الأشقاء والأصدقاء. وهنا يهمني التأكيد أن الإصلاح أمر علينا أن نقوم به نحن في لبنان، في مختلف الشؤون الوطنية والسياسية والاقتصادية والإدارية، ليس لأن ذلك مطلوب من صندوق النقد الدولي أو من الأشقاء والأصدقاء، بل لأننا نحن بأمسّ الحاجة إليه، ومن دون أي تردد أو تلكؤ، ولا سيما بعد فترة الاستعصاء الطويلة على الإصلاح التي مررنا بها وعانينا منها على مدى عقود. وها نحن اليوم نجني نتائج هذا الاستعصاء الطويل، من تدهور كبير في أوضاعنا العامة في لبنان. ولذلك، فإن المضي في تطبيق برنامج حقيقي وكبير للإصلاح يصب في مصلحة لبنان وجميع اللبنانيين.
ورأى السنيورة، أن التعاون مع صندوق النقد الدولي أمر مهم للبنان، ويعني بذلك اللبنانيين جميعاً، لأن لهم فيه مصلحة أكيدة، ليس فقط لأنه قد يتيح تقديم المساعدات للبنان، بل لأنه يشكل الممر الصحيح للحصول على الدعم الذي يحتاج إليه اللبنانيون، سواء المقيمون أو المنتشرون في الاغتراب، وكذلك الدعم من الأشقاء والأصدقاء، لتحقيق التعافي والنهوض بلبنان، رغم الظروف الصعبة التي باتت عليها أوضاعنا العامة.
وقال السنيورة: أعتقد أن هناك ثلاثة أمور أساسية تقوم عليها الدولة:
“الأمر الأول هو الحزم، ويتمثل في تمسك الدولة بحصرية السلاح، وحصرية قرار الحرب والسلم، وكونها الجهة الوحيدة المخولة بالتفاوض باسم لبنان وعن لبنان. هذه الثوابت يجب ألا يكون فيها أي تراجع.
الأمر الثاني هو الحكمة، أي مد اليد إلى جميع المواطنين، والانفتاح عليهم، والبحث معهم، وشرح الموقف ومحاولة إقناعهم، حتى وإن كان البعض يجد صعوبة في الاقتناع. فهذا واجبنا، لأن هذا هو الطريق الوحيد المتبقي أمامنا بعد كل ما تعرض له لبنان من زجٍّ في صراعات من دون إرادته، الأمر الذي أدى إلى خسارة الكثير مما كان يُسمى بالأوراق التفاوضية التي يمتلكها لبنان.
ورغم ذلك، علينا أن نستمر، وأن نبتعد عن لغة التشفي والاتهامات والتخوين، لأنها لا تفيد. وكما يقول المثل اللبناني: “كلمة بتحنن، وكلمة بتجنن.”لذلك علينا أن ننتبه إلى كيفية جمع اللبنانيين، سواء كانوا معنا أو مختلفين معنا.
أما الأمر الثالث فهو الحنكة، أي الابتعاد عن الأفخاخ التي يحاول كثيرون نصبها للدولة، وعدم الوقوع فيها من دون روية، بل حماية أنفسنا منها.
كما أنه ليس صحيحاً أننا إذا لم نستطع تحقيق كل شيء نتوقف. فكما يقول المثل العربي: “ما لا يُدرك كله لا يُترك جله.
بعبارة أخرى، إذا لم نكن قادرين اليوم على بسط سلطة الدولة في مكان معين، فهذا لا يعني ألا نبسطها في أماكن أخرى. لذلك يجب أن نتدرج في هذا الأمر، ونحقق الإنجازات تباعاً، لأن الناس عندما ترى نجاح الدولة في مكان، يشجعها ذلك على الانضمام إليها.
فنحن بحاجة إلى إقناع الجميع بأنه لا خيار أمامنا سوى العودة إلى الدولة، صاحبة السلطة الوحيدة والحصرية في لبنان”.














