spot_img
spot_img
الرئيسيةسياسةرسائل الشيباني من طرابلس: إدارة جديدة للسنّية السياسية

رسائل الشيباني من طرابلس: إدارة جديدة للسنّية السياسية

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| نجلة حمود |

لم تكن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى طرابلس نهاية الأسبوع الماضي محطة بروتوكولية عابرة، ولا مجرّد زيارة دبلوماسية، بل بدت أقرب إلى إعلان عن ولادة مرحلة جديدة في العلاقة بين البلدين. والرسالة لم تكن في الكلام الدبلوماسي وحده، بل في الصورة نفسها: وزير خارجية سوريا الجديدة في طرابلس، باعتبارها المدينة التي شكّلت لسنوات إحدى أبرز البيئات اللبنانية عداءً لنظام بشار الأسد. هنا تحديداً تصبح الزيارة جزءاً من قراءة سياسية أوسع لما يجري في المنطقة، ولما يُراد للبنان أن يكون عليه في المرحلة المقبلة.

طرابلس لم تستقبل الشيباني كضيف عادي. استقبال شعبي، ورفع للصور واللافتات، وظهور مجموعات حملت رمزية واضحة مثل «شباب قلعة الحصن»، لكها إشارات لا تُفصل عن ذاكرة الحرب السورية ولا عن التحوّلات التي جعلت من مطلوبي الأمس، أو من المُصنّفين سابقاً في خانة المُتهمين بالتطرّف والإرهاب والاعتداء على الجيش، حاملي رايات الثورة والتحرير والدفاع عن أهل السنّة اليوم. هذا التحوّل بحدّ ذاته يقول الكثير عن حجم الانقلاب السياسي والنفسي الذي أحدثه سقوط النظام السابق، وعن قدرة الإدارة السورية الجديدة على إعادة تشكيل سردية كاملة في لبنان، ولا سيما في الشمال.

من هذه الزاوية، كانت زيارة طرابلس رسالة سياسية. فالمدينة التي كانت تُقرأ في السابق كخاصرة أمنية رخوة، أو كساحة توتّر مرتبطة بالحرب السورية، بدت اليوم منصة استقبال لسوريا الجديدة، وكأنّ دمشق أرادت القول إن حلفاء المرحلة المقبلة في لبنان ليسوا أولئك الذين وقفوا إلى جانب نظام الأسد، بل القوى والبيئات التي ناصبته العداء ودفعت أثماناً سياسية وأمنية وشعبية بسبب ذلك.
وهنا برز السؤال الأهم: هل نحن أمام إحياء دور سياسي سنّي في لبنان، بصيغة مختلفة عن السنّية السياسية التقليدية التي عرفها لبنان بعد اتفاق الطائف، وبعد الفراغ الذي تركه انكفاء الرئيس سعد الحريري؟

ولا يمكن فصل هذه القراءة عن الكلام المنسوب إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول دور الرئيس السوري أحمد الشرع في ملف سلاح حزب الله. فالمسألة، وفق هذه القراءة، لا تعني دخول الجيش السوري إلى لبنان، ولا مواجهة عسكرية سورية مع حزب الله، لأن أي سيناريو من هذا النوع سيكون وصفة لحرب مدمّرة جديدة. المقصود أبعد من ذلك، وهو دور سياسي لسوريا الجديدة في دعم الدولة اللبنانية، وتوفير عمق إقليمي لمسار حصر السلاح بيد الدولة، والمساهمة في تطويق حزب الله سياسياً لا عسكرياً.

بهذا المعنى، لا تبدو زيارة الشيباني منفصلة عن مسار أوسع عنوانه إعادة ترتيب البيئة المحيطة بحزب الله. فسوريا التي كانت في السابق عمقاً استراتيجياً للحزب وحلفائه، تتحوّل اليوم إلى جزء من شبكة ضغط سياسي عليه، ليس بالضرورة عبر الصدام، بل عبر إقفال مساحات الحركة، وضبط الحدود، ومنع تهريب السلاح، ودعم مؤسسات الدولة اللبنانية، وفتح المجال أمام قوى لبنانية جديدة أو قديمة لإعادة التموضع تحت عنوان السيادة والدولة.

ولعلّ طبيعة لقاءات الشيباني تحمل بدورها دلالات لا تقلّ أهمية عن مضمون التصريحات. فالاكتفاء بالمسار الرسمي وبلقاءات محدّدة، لا يمكن اعتباره تفصيلاً عابراً، بل هو جزءٌ من رسالة سياسية تقول إن دمشق الجديدة تعيد تعريف خريطة علاقاتها اللبنانية، وتعيد النظر في مفهوم الحلفاء والخصوم.

لكنّ الأخطر والأعمق هو أن هذا التحوّل السوري لن يبقى خارج الحدود اللبنانية. فالشمال، وطرابلس تحديداً، سيكونان أولى الساحات تأثّراً به. والمدينة التي عاشت طويلاً على هامش القرار اللبناني، ودُفعت أحياناً كثيرة إلى أدوار أمنية أكثر منها سياسية، قد تجد نفسها مجدّداً في قلب معادلة إقليمية جديدة عنوانها الدور السنّي، والعلاقة مع سوريا الجديدة، والتوازن مع حزب الله، وموقع الدولة اللبنانية في الصراع الدائر على السلاح والسيادة.

من هنا، فإن زيارة الشيباني ليست مجرّد اختبار للعلاقة بين بيروت ودمشق، بل اختبار لطبيعة المرحلة المقبلة في لبنان: هل نحن أمام علاقة ندّية فعلاً بين دولتين، أم أمام نفوذ سوري جديد بأدوات مختلفة؟ هل ستنجح سوريا الجديدة في دعم استقرار لبنان من دون إعادة إنتاج منطق الوصاية؟ وهل سيُترجم الدور السنّي المُستعاد في الشمال سياسة وطنية جامعة، أم سيُستخدم كجزء من مواجهة داخلية جديدة عنوانها تطويق حزب الله؟

لبنان دخل فعلياً في مرحلة جديدة. وسوريا عادت لاعباً، وإن بوجه مختلف، وتحالفات مختلفة، وخطاب مختلف. وطرابلس، بما تحمله من رمزية سنّية وثورية وشمالية، كانت المسرح الأوضح لهذه العودة. أمّا حزب الله، فليس أمام مواجهة عسكرية، بل أمام تبدّل استراتيجي في البيئة التي كانت تحيط به. وهذا التبدّل قد يكون أشد تأثيراً من المواجهة المباشرة، لأنه يعمل على مستوى السياسة والحدود والتحالفات والشرعية الشعبية.

لذلك، فإن ما جرى في طرابلس لا ينبغي أن يُقرأ كاستقبال شعبي مُبالغ فيه فقط، ولا كحفاوة بوزير خارجية عربي، بل كمشهد تأسيسي لمرحلة عنوانها الأبرز: سوريا الجديدة تعود إلى لبنان، لا عبر الدبابات ولا عبر الوصاية القديمة، بل عبر السياسة، والرمزية السنّية، ودعم الدولة، والمشاركة في إعادة رسم التوازنات حول حزب الله.

نبرة حادّة وتخوين

عكست تصريحات عدد من المشايخ ونبرتهم الواثقة والساخرة أحياناً في الردّ على بعض أسئلة الصحافيين، حجم المعنويات التي ولّدتها التحوّلات في سوريا لدى جزء من الشارع السنّي. وتجلّى ذلك في عبارات: «سوريا هي الأمّ»، و«نشعر بالدفء مع سوريا الجديدة»، و«من لا يعجبه… فليشرب ليموناضة»!.

من جهة ثانية، بدا لافتاً حجم الانتقادات الحادّة التي طاولت عدداً من النواب والسياسيين المسيحيين على خلفية مواقفهم من زيارة الشيباني، رغم أن هذه المواقف لم تتضمّن رفضاً للانفتاح على سوريا الجديدة، بل أكّدت احترام خصوصية البلدين مع احترام واقع طرابلس والشمال وما عانياه من ممارسات النظام السوري السابق، ودعت إلى بناء علاقة بين دولتين على قاعدة السيادة والاحترام المتبادل. طبيعة الردود عكست حالة من الانفعال، حيث تحوّل مجرد إبداء رأي مختلف إلى سبب للتخوين والهجوم الشخصي. وهو مشهد يثير التساؤل حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو مناخ سياسي لا يتّسع للرأي الآخر، بحيث يُستبدل إقصاء الأمس بإقصاء جديد، وإن تبدّلت الوجوه والعناوين.

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img