
| طوني عيسى |
يطرح «حزب الله» اليوم شعاراً يبدو في ظاهره وكأنّه إسقاط للشروط الإسرائيلية والأميركية: «اخرجوا من التفاوض». ولكن في لغة السياسة والميدان، انكفاء لبنان عن طاولة المفاوضات في هذه اللحظة الحرجة سيكون سقوطاً طوعياً في فخّ إستراتيجي خطر جداً، وسيفتح الباب لسيناريوهات مريرة، تضع لبنان أمام مآزق وجودية.
إذا استجابت الدولة اللبنانية لضغوط “الحزب”، وقررت الخروج من مسار التفاوض، فإن كرة الثلج ستتدحرج سريعاً وفق المستتبعات المنطثية الآتية: فور انسحاب لبنان من المفاوضات ستسارع واشنطن الى تصنيف الدولة اللبنانية “شريكا في السلبية واستمرار الحرب”، وهذا التوصيف لن يقف عند حدود العتاب الدبلوماسي العابر، بل سيترجم فوراً إلى رزمة قاسية من العقوبات والمقاطعة والحصار الدبلوماسي والعسكري والاقتصادي والمالي، ما سيجرّد الدولة اللبنانية من آخر شبكات أمانها الدولية في لحظة صعبة جداً.
وهذه “العزلة اللبنانية”، ستكون الهدية الأثمن التي تنتظرها إسرائيل لاستكمال الحرب وتصفية الحسابات، إذ ستستغل خروج لبنان من التفاوض لتحقيق أقصى أهدافها الميدانية، وفي الواقع، هي ستطلق مسار تصعيد عسكري ذي منحى تدميري غير مسبوق، على مستويين:
– الأول هو شن ضربات قاسية واستهداف مباشر لقلب بيروت والبنى التحتية اللبنانية عموماً، وطبعاً استئناف عمليات الهدم الممنهج للضاحية الجنوبية.
– الثاني هو التوسع الميداني جنوباً. فبعدما كان الأمر مقتصراً على قضم 5 نقاط حدودية، ثم جرى التمدّد الى الليطاني، على الأرجح هي ستصل إلى نهر الأولي، وربما أبعد من ذلك، لتكرس واقعاً احتلالياً شبيها بالحقبة التي سبقت العام 2000، ولكن بمساحة أكبر، ودمار وتهجير غير مسبوقين.
سيقود ذلك إلى تحجيم ترسانة “الحزب”، وعزلها، وستنحصر حركته وقدراته في شمال الأولي، وفي المقابل، ستمضي إسرائيل في استراتيجية التدمير الشامل لكل ما تبقى من قدراته الصاروخية في مختلف المناطق، مستغلة إطباق الحصار وإقفال منافذ السلاح الثقيل بالكامل عبر البحر وعبر سوريا، التي دخلت طور التنسيق الشرعي لضبط الحدود. وبهذا الحصار سيُجرّد الحزب من أسلحته الاستراتيجية.
ليصبح سلاحه محصوراً بالخفيف والمتوسط، وهو سلاح لا يشكل خطراً على إسرائيل.
وهنا يبرز المأزق الداخلي وبكامل فجاجته. فالنتيجة الأكثر مرارة لهذا السيناريو ستكون اهتزازاً عنيفاً للتوازنات السياسية والاجتماعية في الداخل اللبناني. فـ “حزب الله” المأزوم في مواجهة إسرائيل، وعلى رغم تقلص ترسانته الاستراتيجية، سيبحث عن تعويض هذا الانكفاء بالبقاء قويا ومهيمنا في الداخل، ومتفوقاً على المكونات الأخرى، وهذا ما سيدعم مناخات التوتر الأهلي بقوة.
وفي المقابل، ستكون إسرائيل قد حققت وضعاً مثالياً. فهي لم تعد تتعرض لأي خطر صاروخي، لكنها تستغل بقاء “الحزب” مسلحاً داخلياً، ولو بالسلاح الخفيف والمتوسط، كـ”ذريعة أبدية” وعنوان، وتستثمرها لإقناع الأميركيين والعالم بحاجتها إلى البقاء في الجنوب إلى ما لا نهاية، “لضمان أمن حدودها الشمالية”. وفوق ذلك، تحت هذا الشعار هي ستنال مليارات الدولارات ودعماً دولياً بأسلحة هي الأكثر تطوراً.
لذلك، إن هروب الدولة اللبنانية من نار التفاوض وشروطه القاسية سيمدّ اسرائيل بالوقود السياسي والميداني لتدمير لبنان، وتحويل احتلالها المقت للجنوب إلى قضم دائم ومشرعن دولياً، فيما لا يبقى للسلاح في الداخل سوى دور واحد هو تعميق الانقسام وتفجير التوترات التي ستهز هيكليات الكيان اللبناني في جذوره.














