
لم يعد استهداف المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة ببيئة المقاومة مجرد إجراءات متفرقة، بل أصبح جزءاً من مسار سياسي ومالي متكامل يهدف إلى محاصرة هذه البيئة وإعادة رسم موازين القوى الداخلية عبر أدوات قانونية ومالية وإدارية. وفي هذا السياق، يبرز ملف «القرض الحسن» باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية، نظراً إلى دوره الاجتماعي والاقتصادي داخل بيئة المقاومة، ولأن أي محاولة للمساس به تتجاوز البعد القانوني لتندرج في سياق الصراع السياسي الأوسع حول موقع المقاومة ودورها في لبنان.
قبل توقيع الاتفاق بين سلطة الوصاية والعدو، كانت السلطة قد أطلقت، مطلع حزيران الماضي، مساراً يستهدف إقفال ملف «القرض الحسن». وعلمت «الأخبار» أن زيارة وزير العدل عادل نصار إلى الولايات المتحدة، مطلع الشهر الماضي، شكّلت محطة مفصلية في هذا المسار، إذ عقد خلالها لقاءات مع مسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية طلبوا اتخاذ إجراءات قضائية تتعلق بالمؤسسة. وقد فتح ذلك الباب أمام تحرك رسمي لإعادة البحث في وضعها القانوني والإداري، ولا سيما بعدما أبلغ مصرف لبنان الجهات الرسمية أنه غير معني بالملف، باعتبار أن المؤسسة تقع خارج النظام المالي والمصرفي.
وأمام هذا التطور، باشر حزب الله تحركاً سياسياً، فأوفد ممثلين عنه إلى وزارتي الداخلية والمالية، ناقلين موقفاً حاسماً مفاده أن أي محاولة لإقفال المؤسسة تُعدّ تجاوزاً للخط الأحمر، وأن تداعياتها لن تقتصر على الجانب الإداري أو القانوني، بل قد تمتد إلى مستويات سياسية واجتماعية، نظراً إلى ارتباط المؤسسة المباشر بالبيئة الاجتماعية للمقاومة.
وفي هذا الإطار، نقل وزير الداخلية أحمد الحجار أن حاكم مصرف لبنان كريم سعيد أبلغ رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وكذلك الجانب الأميركي، أنه أجرى مراجعة شاملة لعمل «القرض الحسن» منذ تأسيسها، ولم يتبيّن له وجود أي صلة بينها وبين النظام المصرفي أو شركات الصيرفة وتحويل الأموال، مؤكداً أنها تخضع لقانون الجمعيات. وبناءً عليه، فإن أي إجراء يتعلق بترخيصها أو استمرار عملها يندرج ضمن صلاحيات المراجع الإدارية المتخصّصة، سواء الوزارات المعنية أو مجلس الوزراء.
وأشار الحجار إلى أن جهات دولية أثارت الملف معه أكثر من مرة، لكنه أكد أن «من لديه شكوى أو ادعاء بوجود مخالفة فليتوجه إلى القضاء، ولا أستطيع أن أمنع أحداً من طرح هذا الملف على مجلس الوزراء». وفي السياق نفسه، أبدى وزير المالية ياسين جابر موقفاً رافضاً لفكرة إقفال المؤسسة، مؤكداً «أنني لن أسمح بذلك وسأضغط على حاكم مصرف لبنان كي لا يتدخل».
وعليه، بدأ البحث عن مسار بديل، فطُلب من وزير العدل تفعيل الخيار القضائي. وبناءً على ذلك، فُتح تحقيق عبر النيابة العامة المتخصّصة، وتولى الأمر القاضي رامي الحاج (الذي عُيّن مدعياً عاماً رغم كل تهم الفساد المثبتة عليه لأنه تعهد تنفيذ كل طلبات السلطة ووزير العدل كما فعل في قضية ربيع الطويل)، فأصدر استنابات إلى الأجهزة الأمنية لإجراء تحقيق حول مؤسسة «القرض الحسن»، يشمل طبيعة عملها، ومصادر تمويلها، وارتباطاتها المالية.
وبحسب معلومات «الأخبار»، خلصت التحقيقات الأولية إلى عدم وجود معطيات تثبت أي ارتباط مباشر بين المؤسسة والنظام المصرفي أو شركات الصيرفة أو شبكات التحويلات المالية غير النظامية، ما أبقى الملف في دائرة الجدل القانوني من دون أن يفضي إلى أساس قضائي يسمح باتخاذ إجراءات بحقها. كما أظهرت تحقيقات فرع المعلومات أن المسألة لا تنطوي على شبهة جرم جزائي.
وأمام هذا التعقيد، اتجهت المقاربة إلى توسيع التحقيق خارج لبنان. فعمد وزير العدل إلى استغلال انعقاد الاجتماع الدوري لمجموعة العمل المالي (FATF) في أبو ظبي، وأوفد بعثة مؤلفة من ثلاثة قضاة هم محمد رعد، ورنا عاكوم، وميرنا كلاس، يمثلون النيابة العامة التمييزية، إضافة إلى ثلاثة ضباط من الأجهزة الأمنية، بينهم محمد ضاهر من فرع المعلومات، وعبد الحفيظ منصور ممثلاً عن هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان. وكُلّف الوفد، بالتعاون مع السلطات الإماراتية، متابعة ثلاثة ملفات: «القرض الحسن»، والتحويلات المالية المرتبطة بحزب الله، وملفات مالية تخص موقوفين في لبنان يُشتبه بوجود صلة بينهم وبين المؤسسة.
إلا أن مشاركة الوفد اصطدمت بإشكالية سياسية، بعدما تبيّن أن الاجتماع سيُعقد بحضور مندوب عن كيان الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما كان يعرفه وزير العدل. فأبدى القضاة الثلاثة تحفظهم على المشاركة، فيما استشار الضباط مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء رائد عبد الله، الذي طلب منهم أيضاً الامتناع عن حضور أي اجتماع يشارك فيه إسرائيليون.
وبحسب مصادر مطلعة، تدخل نصار لمحاولة إقناع القاضي محمد رعد بالتراجع عن موقفه، وتعامل مع اعتراضه باستخفاف، معلقاً بأنه «بات يتقمص شخصية النائب محمد رعد». كما تدخل رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود، وطلبا من القضاة دخول قاعة الاجتماع، إلا أن رعد تمسك برفضه، فيما شاركت القاضيتان عاكوم وكلاس، إلى جانب منصور، بينما بقي الضباط الثلاثة خارج القاعة. وخلال الجلسة، كان رعد يتابع مجرياتها عبر الرسائل التي كان يتلقاها عبر الهاتف من زملائه.
وتؤكد المصادر أن هذا الاجتماع يُعقد دورياً في إطار أعمال مجموعة العمل المالي، وأن إسرائيل، بصفتها عضواً، كانت تحرص على حضوره في كل مرة، فيما كان لبنان يعتمد في الدورات السابقة سياسة مقاطعة الجلسات التي يحضرها المندوب الإسرائيلي، ويكتفي بالإجابة عن الاستفسارات خطياً عبر البريد الإلكتروني. إلا أن تدخل رئيس الحكومة هذه المرة أدى إلى مشاركة الوفد اللبناني في الاجتماع.
ووفق المعلومات، ينتظر الجانب الأميركي من وزير العدل عرض نتائج التحقيقات، إلى جانب تقديم تصور واضح حول الخطوات التي تعتزم الحكومة اتخاذها لتنفيذ القرار الهادف إلى إقفال مؤسسة «القرض الحسن».














