spot_img
spot_img
الرئيسيةSlider"إتفاق الإطار": "جسر لبناني" لـ"إسرائيل" إلى "النظام الإقليمي"؟

“إتفاق الإطار”: “جسر لبناني” لـ”إسرائيل” إلى “النظام الإقليمي”؟

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| خضر طالب |

هل نحن أمام اتفاق لبناني ـ إسرائيلي، أم أمام الفصل اللبناني من إعادة تشكيل النظام الإقليمي، والذي يُراد منه أن يفتح الباب أمام تدحرج فصول أخرى، تشكّل مجتمعة النظام الإقليمي الجديد الذي يقوم على استراتيجية “الشرق الأوسط الجديد”، أو “إسرائيل الكبرى”، أو بالحد الأدنى يسمح بدمج “إسرائيل” في البنية الإقليمية، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، عبر توسيع “اتفاقات أبراهام”، فيكون بذلك “إتفاق الإطار” بمثابة “جسر لبناني” لدمج “إسرائيل” في النظام الإقليمي الذي تعمل أميركا على صياغته؟

ما يمكن استنتاجه سريعاً هو أن “اتفاق الإطار” بين لبنان و”إسرائيل” برعاية أميركية، ينتزع لبنان سريعاً من محيطه الإقليمي، ويرميه في حلف سياسي أميركي ـ إسرائيلي مع بعض العرب، وبذلك يُحرِج لبنان العرب “المتردّدين” بالدخول إلى “خيمة أبراهام” من دون دولة فلسطينية، كما أنه يصبح في موقع العداء لمحور إقليمي بدأت ملامحه بالتوسّع.

وَقَع لبنان في الفخ الأميركي ـ الإسرائيلي، ووقَّع ما سُمِّيَ “إتفاق الإطار” الذي قد يكون بحبره “طار” الجنوب اللبناني، ومعه قد “يطير” السلم الأهلي في لبنان!

هنا، ثمة أسئلة ملحّة تتدحرج:

ـ إذا كانت “إسرائيل” قد حققت أهدافها العسكرية، كما تقول، فلماذا احتاجت إلى اتفاق أصلاً؟ وإذا كانت لم تحققها بالكامل، فلماذا يقدّم لبنان هذه الالتزامات الواسعة؟

ـ هل وَقَعَ لبنان في الشباك الأميركية ـ الإسرائيلية طوعاً، أم مرغماً، أو بسبب سوء التقدير، أم بسبب قراءة خاطئة للتوازنات التي أنتجتها الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران؟

ـ لماذا اصرّت السلطة السياسية اللبنانية على فصل المسار اللبناني عن اتفاق إسلام آباد بين أميركا وإيران، والذي أنتج فرض وقف إطلاق النار الإسرائيلي في لبنان بلا أثمان، وربطته بمسار واشنطن حصراً الذي استند إلى واقع احتلال إسرائيلي لأجزاء واسعة من جنوب لبنان؟

ـ إذا كانت السلطة السياسية تبني حساباتها على ميزان القوى السياسي الداخلي، وبالتالي تنفرد بأخذ البلد إلى خريطة “الشرق الأوسط الجديد”، فهل تدرك أن هذا الميزان متغيّر في لبنان، ولا يملك مقومات الثبات والصمود، ولأي فريق؟

إن الاتفاقات التي تُبنى على ميزان قوى مرحلي قد تصبح هشة، وهي لا تستطيع أن تترسخ سياسياً ومؤسساتياً، وبالتالي ستسقط حتماً في اللحظة التي يلوح فيها تبدّل الموازين، لأن الميزان العسكري في لحظة توقيع الاتفاق لا يساوي بالضرورة ميزان القوة السياسية بعد سنتين أو ثلاث.

المفارقة اللافتة، أن السلطة السياسية جعلت التفاوض شرطاً للوصول إلى وقف لإطلاق النار، بينما كان اتفاق إسلام آباد قد جعل وقف إطلاق النار مدخلاً إلى التفاوض على انسحاب “إسرائيل” من جنوب لبنان ووقف العدوان، من دون الوقوع في “شبهة” السلام والتطبيع المنفرد مع العدو الإسرائيلي، تكراراً لتجربة اتفاق 17 أيار الذي أراد تغيير موقع لبنان الإقليمي مما أدى إلى انفجار واسع في البلد كانت نتيجته الأولى إسقاط اتفاق 17 أيار، أما نتائجه اللاحقة فكانت عُزلة السلطة السياسية بداية، ثم الإطاحة بها، كمقدّمة للإطاحة بالنظام السياسي الذي كانت تتحصّن بآلياته.

صحيح أن “اتفاق الإطار” لا يكرر اتفاق 17 أيار نصاً، لكنه يتقاطع معه في الهدف الاستراتيجي: إنهاء حالة الصراع، وإنشاء آليات اتصال مباشرة، وربط الانسحاب بالترتيبات الأمنية، مع رعاية أميركية مركزية. أما الاختلاف الأساسي، فيكمن في أن اتفاق 17 أعلن هذه الأهداف بصورة صريحة، بينما يعتمد “اتفاق الإطار” المراوغة في العبارات والمراحل.

وبمراجعة سريعة للمقارنة بين مرحلتي الاتفاقين، في سنة 1983، كانت الصورة توحي بأن المشروع الأميركي انتصر:

• كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على مساحات واسعة من لبنان.

• كانت الولايات المتحدة حاضرة عسكرياً وسياسياً بقوة.

• انتُخب رئيس للجمهورية في ظل الاحتلال الإسرائيلي، ثم خلفه رئيس آخر ضمن التوازن نفسه.

• كان الجيش اللبناني يتوسع في انتشاره ويُنظر إليه كأداة لبسط سلطة دولة التوازن العسكري.

• كان الاعتقاد السائد لدى مؤيدي الاتفاق أن البيئة الاستراتيجية أصبحت تسمح بطي صفحة العداء مع “إسرائيل”.

لكن ما حدث لاحقاً هو أن الوقائع العسكرية لم تتحول إلى وقائع سياسية مستقرة. تغيرت البيئة الإقليمية، وتبدلت موازين القوى الداخلية، وانسحبت القوات المتعددة الجنسيات، وأُلغي اتفاق 17 أيار.

أما اليوم، فالمشهد أكثر تعقيداً. فإذا كان الاتفاق سيواجه معارضة من داخلية وخارجية، فإن مسار تطوره سيتأثر أيضاً بعوامل أخرى: مدى تماسك التفاهم الأميركي – الإيراني، ومواقف الدول العربية، والوضع الداخلي اللبناني، واستمرار أو تبدل موازين القوى في المنطقة.

لذلك يصعب افتراض أن آلية السقوط ستكون بالضرورة مماثلة لما جرى في الثمانينيات، حتى لو كانت النتيجة النهائية متشابهة.

وهناك نقطة تاريخية لافتة يمكن أن تُستفاد من تجربة 17 أيار، وهي ليست مرتبطة فقط بالسلاح أو الاحتلال، بل بطبيعة الشرعية الداخلية.

ففي لبنان، أثبتت التجربة أن أي اتفاق يعيد تعريف موقع البلد الإقليمي يحتاج إلى حد أدنى من التوافق الوطني كي يصمد. فإذا افتقد هذا التوافق، يبقى معرضاً لأن يصبح رهينة تبدل موازين القوى أو تبدل التحالفات الإقليمية.

لذلك، فإن تجربة 17 أيار تُظهر أن التفوق العسكري أو الدعم الدولي في لحظة التوقيع، لا يكفيان لضمان استدامة أي اتفاق في لبنان. فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد التوقيع، عندما يتعين تحويل النصوص إلى شرعية سياسية داخلية قادرة على الصمود أمام تغير موازين القوى.

وهنا يظهر أن التشابه مع مرحلة 1983، يكمن في محاولة فرض ترتيب سياسي جديد على لبنان بعد حرب، أما الاختلاف فيكمن في طبيعة القوى القادرة على تعطيل هذا الترتيب.

هذا الاستنتاج، يفرض سؤالاً محورياً: هل تغيّر النظام اللبناني بحيث أصبح أكثر قدرة على استيعاب اتفاق من هذا النوع، أم أنه ما زال يخضع للمنطق نفسه الذي يجعل أي تغيير استراتيجي يحتاج إلى توافق واسع بين مكوناته؟

لذلك فإن المقارنة مع 1983 قد لا تكون في موازين القوى العسكرية فقط، بل في الرهان السياسي الأميركي.

في الحالتين، يبدو أن واشنطن تراهن على أن الهزيمة العسكرية أو إضعاف الخصم، ستؤدي تلقائياً إلى إعادة صياغة النظام السياسي والأمني في لبنان.

وهذا الرهان نجح جزئياً في مراحل معينة سنة 1983، لكنه لم يصمد أمام تغير البيئة الداخلية والإقليمية.

في سنة 1983 كان المشروع الأميركي يواجه لاعباً إقليمياً رئيسياً هو سوريا، بينما يواجه اليوم شبكة إقليمية أكثر تعقيداً تضم إيران، و”حزب الله”، وربما تركيا، مع احتمال تأثر الموقف السوري الجديد بتطور علاقته مع “إسرائيل”. وإذا صح هذا التوصيف، فإن الاتفاق الحالي قد يواجه معارضة من شبكة متعددة المراكز، لا من طرف إقليمي واحد كما كان الحال قبل أربعة عقود.

قد يكون الخطأ في المقارنة هو التركيز على تشابه اللاعبين، بينما الأهم هو تشابه الفرضية الأميركية، ففي الحالتين، يبدو أن واشنطن تنطلق من فرضية أن التفوق العسكري يمكن تحويله إلى نظام سياسي دائم. أما نجاح هذه الفرضية أو فشلها، فلا يتوقف فقط على ميزان القوة لحظة التوقيع، بل على قدرة القوى الرافضة على إعادة تنظيم نفسها، وعلى ما إذا كانت البيئة الإقليمية ستبقى داعمة للاتفاق أم ستتغير كما تغيرت بعد عام 1983.

السؤال الذي سيحسم نجاح أو فشل هذه المحاولة: هل تستطيع هذه الاتفاقات أن تُنتج شرعية سياسية واجتماعية مستقرة داخل البلد؟

التاريخ الحديث للمنطقة يُظهر أن الاتفاقات التي تحظى بدعم خارجي واسع، قد تواجه صعوبة في الاستمرار إذا بقيت موضع انقسام داخلي عميق. وهذا ربما هو الدرس المشترك الذي يربط بين أكثر من محطة من المحطات التاريخية.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/GsVKY7K10Ps5CnREsooVzZ?mode=gi_t

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img