
ما جرى في واشنطن لم يكن معزولاً عمّا يجري على الجبهة الإيرانية، حيث كان واضحاً لدى جميع الأطراف أن واشنطن وتل أبيب لن تقبلا تنفيذ مذكرة التفاهم مع إيران كما هي. لذلك اتجه الطرفان إلى خطوات توحي برغبة في العودة إلى الحرب ضد إيران ولبنان، وربما ضد دول أخرى، بالتوازي مع ارتفاع مستوى التهديدات تجاه غزة، وتلميحات إسرائيلية حول استعدادها لـ«عمل وقائي» لمواجهة ما تعتبره «تعاظم التهديد التركي» في سوريا. في المقابل، كانت إيران توضح للوسطاء أنها تتعامل مع المفاوضات على أساس أن مذكرة التفاهم نفسها جزء من الحرب.
في هذا السياق، كانت واشنطن، التي اضطرت إلى التوقيع على مذكرة التفاهم، تراهن على دفع إيران إلى مسار مختلف عبر تقديم حوافز محدودة، واعتبرت أن السماح بترتيب نقل أكثر من 11 مليار دولار إلى طهران عبر دول عربية قبل توقيع المذكرة يمكن أن يشكّل «جزرة» كافية لتهدئة طهران، خصوصاً أن الإدارة الأميركية ركّزت في البداية على فتح مضيق هرمز. لكن بعد جولة سويسرا الأولى، بدأت واشنطن حملة لفرض وقائع ميدانية جديدة، عبر هجوم كبير تَمثّل في الآتي:
أولاً: تحريض الدول المعنية بالمضيق على رفض أي إطار لترتيبات إيرانية – عُمانية تتعلق بمستقبل إدارة مضيق هرمز، ثم تطور الموقف لاحقاً إلى حد إبلاغ شركات نقل النفط والغاز والبضائع بعدم الالتزام بالمسارات التي تحددها طهران لحركة الملاحة من وإلى المضيق، مع التعهد بتوفير حماية عسكرية لهذه الحركة.
ثانياً: بادرت واشنطن إلى السعي لإدراج نقاط كانت إيران قد رفضت تضمينها في مذكرة التفاهم، وذلك عبر البيان الختامي للاجتماع الذي عقده وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع نظرائه في دول مجلس التعاون الخليجي، والذي لم يقتصر على ملف مضيق هرمز وأمن المنطقة، بل توسّع ليشمل ملفات لم تجرؤ الولايات المتحدة على فرضها على إيران، من بينها «الصواريخ الباليستية»، و«الأذرع»، و«التمويل».
ثالثاً: الاتفاق مع حكومة العدو على مسار تفاوضي يُفضي عملياً إلى فصل ملف لبنان عن مسار الحوار الإيراني – الأميركي، عبر اتفاقية واشنطن التي استجابت لمجمل المطالب الإسرائيلية، بينما منحت لبنان تعويضاً على شكل زيارة يقوم بها الرئيس جوزيف عون إلى البيت الأبيض.
عملياً، يمكن للولايات المتحدة أن تقول إنها نجحت، مع إسرائيل وحلفائها من الدول العربية، في تحقيق مجموعة من النتائج، من بينها تعديل مسار العبور في مضيق هرمز، وتحويل مشكلة العدو مع البنية الدفاعية لإيران إلى ملف إقليمي يخص دول الخليج، إضافة إلى جعل ملف قوى المقاومة بنداً يفترض بالدول العربية التعامل معه على أساس ضرورة التخلص منه. وقد تُرجم ذلك عملياً في اتفاق الإطار الذي نقل جوهر الإشكال من مسألة الاحتلال الإسرائيلي إلى مسألة سلاح حزب الله.
ونظراً لكون ما جرى ويجري جزءاً من الحرب، قررت إيران شن هجوم مضاد على هذه المخالفات. فبادرت إلى تعطيل بعض المسارات الجديدة لحركة الملاحة في مضيق هرمز بالنار، وأعلنت استعدادها للرد على كل ما يخالف التفاهمات، حتى لو أدى ذلك إلى عودة القتال مع الولايات المتحدة. كما أبلغت دول الخليج أن البيان الصادر عن اجتماعاتها مع واشنطن سيعقّد مسار الحوار العربي – الإيراني، من دون أن يفضي إلى حل جذري، مؤكدة أنها لن تقبل بأي اتفاق أو ترتيبات تمسّ أمنها القومي، وعمدت إلى قصف قواعد أميركية في البحرين والكويت رداً على سماح البلدين للأميركيين بالعمل ضد إيران من جديد.
أما في ما يخص لبنان، فقد أبلغت طهران الجهات الرسمية اللبنانية أنها لن تتراجع عن ما تضمنته مذكرة التفاهم، وأنها قررت تجميد مسار التفاوض مع الولايات المتحدة إلى حين حسم هذه النقاط. وذكّرت الجهات اللبنانية بمختلف أطيافها بأن المذكرة تضمنت أسساً واضحة، وأن جولة المحادثات الأولى في سويسرا انتهت إلى تفاهم على تشكيل خلية عمل لمتابعة ملف تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان وجدولة الانسحاب الإسرائيلي. وقال الإيرانيون إن هذه الخلية تتشكّل من مستويين: الأول في بيروت ويضم ممثلين عن إيران والولايات المتحدة ولبنان، وقد سمت طهران سفيرها في لبنان رضا الشيباني ممثلاً عنها، على أن يقوم الطرفان الأميركي واللبناني بتسمية ممثليهما، وتكون بيروت مقراً لهذه الخلية. أما المستوى الثاني، فتُعقد اجتماعاته في الدوحة أو إسلام آباد، بمشاركة الوسيطين القطري والباكستاني.














