| جورج علم |
للوهلة الأولى، يبدو الرئيس دونالد ترامب أكثر حاجة إلى إبرام اتفاق مع إيران.
هناك أسباب داخلية ضاغطة تدفعه للخروج من المأزق الإيراني بأسرع وقت، وبأقل الخسائر:
• القرار التاريخي غير المسبوق الذي اتخذه مجلس النواب الأميركي مطلع هذا الشهر (حزيران)، والذي يمنع الرئيس ترامب من مواصلة الأعمال القتالية في الحرب على إيران من دون تفويض صريح من الكونغرس.
• الفجوة المالية الكبيرة بين وزارة الخزانة ووزارة الدفاع حول تكاليف الحرب، والتي تُقدَّر بمئات المليارات، من دون أي احتساب دقيق ونهائي للمبالغ المتراكمة حتى الآن.
• حاجة الجيش الأميركي إلى نوعيات محددة من القنابل والأسلحة والذخائر النوعية التي استُنزفت مخزوناته منها. وهذا ما دفع الرئيس ترامب إلى مناشدة مصانع الأسلحة التعويض بأسرع وقت.
• التداعيات الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية التي ألقت بكلكلها على المستهلك الأميركي نتيجة الحرب والحصار النفطي في مضيق هرمز.
• الاستطلاعات التي تجريها مراكز أبحاث مرموقة، والتي تشير إلى احتمال تفوق الديمقراطيين على الجمهوريين في الانتخابات النصفية في الخريف، وفقدان الرئيس الأميركي السيطرة على الكونغرس.
وليس السبب الأخير تفصيلًا عابرًا، بل هو أشبه بحالة انقلابية إذا ما فقد الجمهوريون الأرجحية في مجلسي النواب والشيوخ. وهذا يعني معنويًا أن عهد الرئيس ترامب قد انتهى، وأنه مضطر في النصف الأخير من ولايته إلى أن يكون مقيّدًا، وأن يفقد الحرية التي تخوّله راهنًا اتخاذ القرارات الجريئة وتبنّي المواقف الصعبة لتثبيت نظرية “أميركا أولًا”!
وبمعزل عن هذه الأسباب وغيرها، فقد الرئيس الأميركي المصداقية. لم تعد تصريحاته المتقلّبة تغوي الأصدقاء والحلفاء، فكيف بالأعداء؟
أوروبا، الجارة على الطرف الآخر من الأطلسي، والصديقة والحليفة، تعاني من صدمة كبرى نتيجة قراراته المتسرعة والمشحونة بالفوقية والاستئثار ونزعة السيطرة.
أما الدول الكبرى الفاعلة في مجلس الأمن الدولي وخارجه، فتعتمد سياسة وقائية للحد من الخسائر نتيجة ما يظهره من فائض قوة، وأيضًا بسبب تلاعبه بمعايير الضرائب والرسوم على الصادرات والواردات، ومحاولات احتكاره للطاقة والتحكم بإمداداتها وأسعارها.
أما الدول الحليفة في الشرق الأوسط، وتحديدًا في المحيط العربي الخليجي، فهي أمام خيارات صعبة وأسئلة مصيرية مربكة. معظمها لا يود الخروج من تحت العباءة الترامبية خوفًا من التداعيات المهلكة، وتجنبًا للسيناريوهات المصيرية المكلفة. وغالبيتها غير راضٍ عن السياسة الاحتوائية التي يمارسها بأساليب ابتزازية مستفزة، خارجة عن القوانين الدولية الناظمة.
في لبنان، يبدو الوضع في غاية التعقيد. وعلى الطاولة ثلاثة أسئلة برسم السلطة:
الأول: هل من ضمانات أميركية يستطيع المفاوض اللبناني أن يبني عليها، ويراكم من مداميك من الثقة في مفاوضاته المباشرة، أم أنها مجرد وعود تتبدد مع الأيام كالأحلام؟
والمقصود هنا تحديدًا: هل يريد الوسيط الأميركي قيام دولة فعلية في لبنان؟ وهل يريد أن تمضي المفاوضات نحو تحقيق ما ذهب من أجله المفاوض اللبناني، أي استعادة الأرض، واستعادة السيادة الكاملة الناجزة على كامل التراب الوطني، واستعادة قرار الحرب والسلم؟ أم أنه يدفع البلد إلى حافة الهاوية من دون روادع؟
الثاني: يقول الأميركي، ويعلن، ويؤكد، أنه مع فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني، لكن النتيجة تكذّب هذا الادعاء. فالمسؤولون الإيرانيون تجاوزوا الدولة ورموزها ومؤسساتها، وأبلغوا قيادة “حزب الله” وحركة “أمل” بأن الاتفاق مع واشنطن يتضمن وقفًا شاملًا لإطلاق النار في كل لبنان. ولم يسارع الأميركي إلى التوضيح والتصحيح، بل ذهب الرئيس ترامب إلى أبعد من ذلك عندما أعلن عن تواصل مع قيادات رفيعة في “حزب الله” للتوصل إلى وقف لإطلاق النار.
إن “الازدواجية” الأميركية “حمّالة أوجه”. فمن جهة، هي الوسيط بين بيروت وتل أبيب في المفاوضات المباشرة. ومن جهة أخرى هي شريك في التفاهم مع إيران بشأن لبنان لضمان تثبيت قرار وقف إطلاق النار. فأين المصداقية في كل ذلك؟ وما حقيقة الموقف الأميركي من لبنان الكيان والدولة والسيادة ووحدة الأرض والشعب والمؤسسات؟ وهل تقدم واشنطن، عند ساعة الحسم، على التخلي والانسحاب من الوساطة والضمانات؟
الثالث: يتصل بالخلاف الجوهري بين تل أبيب وواشنطن حول الأولويات في المنطقة، حيث تحول لبنان إلى ورقة مساومة وابتزاز.
لم يعد الخلاف بينهما مجرد “فشّة خلق” أو “وجهة نظر” قابلة للترقيع. فرصيد بنيامين نتنياهو الانتخابي في الداخل يتآكل، و”الصقور” داخل الجناح الديني المتطرف يأخذون عليه فشله في تحقيق ما ذهب إلى تحقيقه في حربه على إيران، سواء في ما يتعلق بالبرنامج النووي، أو بتخصيب اليورانيوم، أو بالبرنامج الصاروخي الباليستي، أو بفك الارتباط مع “الأذرع”.
وليس تأكيده استمرار عدوانه على لبنان مجرد مناورة. فالسفير الأميركي ميشال عيسى يبني محادثاته مع المسؤولين مستندًا إلى كلام نتنياهو القائل إنه لن يوقف عدوانه ما دام “حزب الله” يصر على السلاح والمواجهة. حتى إن المجلس الوزاري المصغر “الكابينت” ذهب إلى أبعد من ذلك، رافضًا أي اتفاق أميركي ـ إيراني لا يلبي المطالب الإسرائيلية.
ولا يكفي معرفة كيف ينزل الأميركي من أعلى الشجرة، فلديه القدرة والمقدرة، والسوابق خير شاهد: انسحابه المذل من أفغانستان، وقبله الانسحاب المكلف من حرب فيتنام.
ولم يعد السؤال محصورًا في كيفية التوفيق بين دوره التفاوضي مع إيران ودوره كوسيط في لبنان، بل بات: هل يصل القطار الأميركي بهذا الكيان إلى السيادة الناجزة أم إلى الهاوية؟
يقول دبلوماسي عربي مخضرم:
“ليس كل ما يلمع عند ترامب ذهبًا”!














