| فيصل طالب |

في خضمّ الظروف الأمنية والاجتماعية بالغة الصعوبة والتعقيد التي يعيشها لبنان، يستعر النقاش حول الامتحانات الرسمية، بين من يتمسك بالإبقاء على دوريّتها، ويسعى للحفاظ على القيمة الاعتبارية للشهادة الرسمية، ومن يدعو الى مراعاة الأوضاع الاستثنائية التي تثقل كاهل الطلاب، وإيجاد بدائل تقييمية مناسبة لمحصّلاتهم التعلّمية. غير أنّ هذا النقاش يكتسب أبعاداً أعمق إذا ما نظرنا إلى هذه الامتحانات بوصفها ظاهرة اجتماعية، لا مجرّد إجراء تربوي.
إنّ الامتحانات الرسمية من زاوية علم الاجتماع ليست مجرّد اختبار لقياس التحصيل التعلّمي، بل هي تنظيم تربوي/ اجتماعي يؤدّي وظائف متعدّدة داخل المجتمع، فيتيح للطلاب إثبات جدارتهم وكفاءتهم، ويمنحهم معياراً موحّداً لتقييم مكتسباتهم المعرفية، من جهة، ويعكس أزمة البنية الاجتماعية في لبنان التي تتجاوز الجانب الأكاديمي البحت لتلامس بعمق مسألة العدالة الاجتماعية، وما تنتجه من فرز اجتماعي، من جهة ثانية. وأكثر ما يُظهّر عيوب هذه البنية بشكل فاقع مرور البلاد بأزمة وجودية كالتي يعيشها لبنان في هذه الأيام، حيث تزداد الفجوات الاجتماعية اتساعاً، وتصبح القدرة على تحقيق التكافؤ في الاكتساب المعرفي، ومن ثمّ في الإجراءات التقييمية، شبه مستحيلة.
غير أنّ السعي الرسمي المفترض لتحقيق العدالة في هذا السياق، وبخاصة في الظروف الحالية، يحتّم أن تعكس السياسات التربوية مبدأ التكافل والتضامن الاجتماعي بين أفراد المجتمع، من خلال إعادة النظر في آليات التقييم التربوي، بما يحقق التوازن بين المصداقية التربوية والإنصاف الإنساني، لأن الهدف الأسمى لأية سياسة تربوية هوالحفاظ على التماسك الاجتماعي وصون الأمل بالمستقبل.
وتتجلّى الاختلالات الاجتماعية في هذا النطاق بصورة أوضح عند مقارنة التعليم الرسمي بالتعليم الخاص، والتي تظهر بوضوح مآل التفاوت في مقدرات التحصيل التعلّمي بين الجانبين، حيث يتفوّق الأوّل بعدد ما يستوعبه من تلامذة، فضلاً عمّا يمتلكه من قدرات تشغيلية مادية وفنية، وكفاءات تعليمية، ووسائل تربوية وتقنية، وسائر المقوّمات اللوجستية اللازمة كالنقل والتدفئة والكهرباء وغيرها…؛ في حين تعاني المدارس الرسمية أزمات متراكمة على مختلف المستويات البشرية والمادية والفنية والتشغيلية…، فاقمتها الأزمات المتلاحقة، وبخاصة الخسارة الكبيرة التي لحقت برواتب المعلمين ومستحقاتهم بنتيجة الأزمة المالية التي عصفت بالبلاد منذ العام 2019؛ مع الإشارة إلى أن المسار التعليمي الخاص استمرّ في الغالب بوتيرة شبه طبيعية في معظم المناطق، بينما تعرّض المسار الرسمي إلى خسائر إضافية، بنتيجة تحمّله العبء الأكبر من تداعيات عمليات النزوح والتهجير؛ الأمر الذي أفضى إلى مكتسبات تعلّميّة متفاوتة، لا تقود إلى تطبيق مبدأ أساسي في نظام العدالة الاجتماعية، ألا وهو تكافؤ الفرص الذي لا يستقيم معه خضوع تلامذة هذين المسارين لامتحانات رسمية واحدة، تُطبق على واقعين تعليميين مختلفين، وكأننا في المحصّلة لا نقيس كفاءة التلامذة المعرفية وحدها، بل ندخل في القياس عوامل مالية واجتماعية وجغرافية ونفسية…
إن المقاربة السليمة لهذا الموضوع لا ينبغي ان تحوّل الامتحانات الرسمية التي تمسّ عصب المجتمع اللبناني في هذه الأيام، إلى سجال بين منطقين متعارضين. فالتحدّي الحقيقي لمواجهة هذه المسألة هو في الجمع بين منطق حماية المستوى التعليمي، وقيمة الشهادة اللبنانية في الداخل والخارج، وضمان حدّ مقبول من معايير الانتقال إلى التعليم الجامعي، ومنطق مراعاة الظروف الاستثنائية، والضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية،…؛ الأمر الذي يضع المسؤولين التربويين أمام معضلة شديدة الإلحاح لابتكار الحلول المطلوبة في هذا السبيل، والتي لا يمكن أن تأتي إِلَّا على قياس التوليف بين مختلف الطروحات التربوية التي تحقّق المصلحة التربوية العليا، ولا تُخرج من عباءتها مآل الظروف والمعطيات التي يرزح تحت وطأتها قسم كبير من الطلبة، وعلى قاعدة الربط العضوي بين المحصّلات التعلّمية التي تأخذ بعين الاعتبار أحوال مناطق الحرب والنزوح، ومضامين الأسئلة وطبيعتها ومستوياتها، وهو جوهر العدالة التربوية بين طلاب نازحين وآخرين مستقرّين؛ بحيث لا تكون هذه الامتحانات أداة فرز غير منصفة ترجّح كفّة على أخرى، بناءً على الظروف الاستثنائية؛ على أن تكون محاور المقاربات الامتحانية قائمة على قياس الكفايات الأساسية، بما في ذلك مهارات التحليل والتعبير، بعيداً من أسئلة التلقين والحفظ والحشو السردي، وأن يكون القسم الإلزامي من المسابقة مقتصراً على القاسم المشترك لما تمّ إنجازه من المنهج في كل مدارس لبنان دون استثناء، وأن تكون الأسئلة الاختيارية مندرجة في مجموعات تمكّن المرشحين من مناطق الحرب والنزوح من اختيار المحور الذي يناسبهم، وفقاً لما تم تحصيله في هذا الصدد؛ على أن يسبق كل ذلك إجراء مسح ميداني لتحديد سقف التحصيل التعلّمي الفعلي في مدارس المناطق المضطربة ومراكز الإيواء.
إن الامتحانات الرسمية لا يمكن أن تجري، في ظلّ الأحوال المعروفة، وفقاً لمعاييرها التقليدية في المضامين والإجراءات التنفيذية، وعلى حساب العدالة الإنسانية والتعلّمية، بين طلّاب تابعوا تعليمهم بانتظام في مناطق مستقرة نسبياً، وطلّاب عانوا الانقطاع والنزوح، وتابعوا دراستهم في ظروف غير طبيعية، أو أنهم انقطعوا عنها جزئياً أو كليّاً. وهؤلاء يستحقون امتحانات لا تشكّل ضغطاً آخر فوق ما يتحملون من ضغوط على مختلف المستويات. ولذلك لا يبدو أن الحلّ الأمثل لهذه المشكلة هو الإصرار المطلق على إجراء الامتحانات بشكلها المعهود، ولا إلغاؤها لهذه السنة الدراسية، بل اعتماد حلّ مرن يحافظ على قيمة الشهادة، ويأخذ في الاعتبار تفاوت ظروف الطلاب؛ مع الاحتفاظ بخيار التقييم المدرسي كحلّ أخير، إذا أصبح إجراء هذه الامتحانات مستحيلاً في مناطق معيّنة أو على المستوى الوطني العام، أو اتخاذ إجراءات استثنائية في هذا السبيل، ومنها اعتماد العلامات المدرسية مع رقابة مركزية متشدّدة للتفتيش التربوي، أو تأجيل الامتحانات الى فترة لاحقة من دون أن تلامس المهلة التي تسمح للطلاب بدخول الجامعات، أو ابتكار نظام هجين للامتحانات يجمع بين التقييم المدرسي والاختبار الرسمي، أو منح إفادة مؤقتة تُستلحق بامتحان رسمي لصالح الانتساب الى الجامعات التي تفرض حيازة شهادة رسمية.
إن الامتحانات الرسمية هي استحقاق وطني يحفظ للشهادة الرسمية بلا ريب قيمتها وصدقيتها، ويكفل للطلاب حقّهم في توثيق مخرجات جهودهم وتقييم تحصيلهم التعلّمي، على مدى مرحلة تعليمية كاملة، لكن من دون تحميلهم أعباء الظروف الخارجة عن إرادتهم، والتي تفرض تحدّيات جمّة قد تعيق إجراء هذه الامتحانات على الوجه الأمثل، أو قد تجعل هذا الإجراء مستحيلاً. وفي مثل هذه الحالة يصبح اللجوء إلى حلول استثنائية مرنة الخيار الأكثر عدلاً وحكمةً لرعاية مصلحة الطلاب، على قاعدة أنّه من المفترض ألّا يغيب عن رؤيا أصحاب القرار التربوي في هذا الشأن ابتداع القرارات والآليات الخلّاقة في مواجهة الأزمات؛ وربّما تكون هذه المواجهة هي حجر الأساس في الحكم على مدى جدارتهم بالمواقع التي يضطلعون بمسؤولياتها.














