spot_img
spot_img
الرئيسيةSlider"حلم إبليس في الجنة".. هل يُحقّقه "نموذج بلفاست"؟

“حلم إبليس في الجنة”.. هل يُحقّقه “نموذج بلفاست”؟

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| زينة أرزوني |

“منطقة نموذجية”، “منطقة تجريبية”، “منطقة عازلة”، “منطقة صناعية”، “منطقة ترامب الاقتصادية”… مناطق يتم توزيعها علينا مع كل اجتماع حول طاولة مفاوضات لبنانية – أميركية – “إسرائيلية”.

تتبدل التسميات ويبقى الهدف واحداً: فرض واقع سياسي وأمني جديد في الجنوب اللبناني تحت عنوان الأمن والاستقرار، فيما المضمون الحقيقي هو إعادة صياغة هوية المنطقة وسكانها ومعادلاتها التي تشكلت بالدم والتضحيات منذ سنة 1982.

في كل مرة يُطلب من الجنوب أن يدفع الفاتورة، يُقال لأهله إن الاحتلال موجود بسبب المقاومة، وإن الخطر سببه السلاح، وإن الطريق إلى السلام يمر عبر التخلص من “حزب الله” وتجريد البيئة الحاضنة له من عناصر القوة، وكأن المشكلة لم تكن يوماً احتلالاً واعتداءات ومجازر وحروباً متواصلة، بل سكان قرى قدموا أبناءهم وشهداءهم دفاعاً عن أرضهم وكرامتهم.

“حزب الله عدو لبنان ويجب التخلص منه”.. هذا هو العنوان الأساسي الذي اجتمع حوله المتفاوضون في واشنطن، وما “جمّلته” السلطة تكفّل به وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو حين قال إنه كان بإمكان لبنان و”إسرائيل” إبرام اتفاق سلام لولا وجود الحزب الذي هو عدو لبنان وشعبه.

أما “اتفاق الفرصة الأخيرة” الذي هدّد به رئيس الجمهورية جوزاف عون اللبنانيين والمقاومة، والذي عادت مصادر أميركية إلى التأكيد عليه بوصفه “فرصة تاريخية” منّت بها علينا “إسرائيل”، فلم تكن بنوده سوى ورقة استسلام مشروطة وقع عليها الطرف اللبناني بعد مفاوضات “شاقة وصعبة”، كما وصفها عون. ولا نعلم هنا مدى الصعوبة التي واجهها الوفد اللبناني الذي كان يهزّ برأسه فقط أمام كل بند، ويوزع ابتسامات عريضة عبر سفيرة لبنان لدى واشنطن وهي تصف اللحظة بـ”التاريخية”.

البيان المشترك الصادر عن الجولة الرابعة من مفاوضات واشنطن لا يمثل وقفاً لإطلاق النار، بل صك استسلام أمني فرضه الجانب الأميركي، فهو يربط الانسحاب الإسرائيلي بتفكيك المقاومة تحت مسمى “المناطق النموذجية” والرقابة الأميركية، وهو أقرب إلى “حلم إبليس بدخول الجنة”، بحسب الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، الذي رفض أي “ربط بين وجود المقاومة ووقف العدوان وانسحاب إسرائيل”.

اتفاق واشنطن الملغوم، الذي هلّلت له السلطة، وأهدت من خلاله “إسرائيل” ما لم تحلم به، فجّرته المقاومة في الميدان عبر مسيّراتها الانقضاضية التي دكّت محيط قلعة الشقيف ومواقع القطاع الغربي، وتفجير مسيّرة في الجليل الغربي خلال زيارة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى “مجلس شلومي”.

الجزء الأكثر سخرية كان استباق بعض وسائل الإعلام اللبنانية، التي هللت كأنها فازت بكأس العالم حين أعلنت انسحاب قوات الاحتلال من دبين ومحيط زوطر الشرقية، وبدء الجيش اللبناني بالانتشار هناك. لكن الفيديو الذي أظهر الجيش ينتشر بلا سلاح، وفي طرقات فجّرتها “إسرائيل” قبل أيام، كان بمثابة إهانة للسيادة الوطنية، خصوصاً أنه على بعد كيلومترات كانت “إسرائيل” تواصل غاراتها، وهو ما يضع الجيش اللبناني في مأزق استراتيجي حقيقي بين تلبية مطالب سياسية خارجية وحماية السيادة الوطنية.

السؤال الأبرز هنا: ما هي تلك “المناطق التجريبية”؟

حين يُطرح مفهوم “المناطق التجريبية” في جنوب لبنان، يبدو على الورق أنه مجرد اختبار مرحلي لـ”تذويب” سلاح “حزب الله” وعدم نزعه بالقوة، على غرار تجربة الجيش الجمهوري الإيرلندي التي روّجت لها بريطانيا قبل أشهر، وهمس بها مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول في أذن الرئيس عون خلال اتصال هاتفي. لكن قراءة الواقع الميداني تكشف أن المشروع ليس مجرد عملية أمنية، بل “جس نبض” لحرب داخلية يمكن أن تندلع بين الجيش وأهالي الجنوب والمقاومة عندما يتحول هذا الجيش، الذي يكنّ له الشعب كل احترام وتقدير، إلى “حامٍ للمستوطنات الإسرائيلية” من صواريخ الحزب.

ميدانياً، سيكون الجيش اللبناني المنفّذ الوحيد، لكنه لن يملك القرار النهائي. آلية المراقبة الأميركية، مع احتمالات الشكاوى الإسرائيلية، ستحدّد نجاح التجربة أو فشلها.

بمعنى آخر، كل خطوة للجيش ستصبح رهينة رضا واشنطن و”تل أبيب”، بينما الواقع الميداني لا يمكن تغييره بالقوانين والبيانات.

الاقتراح اللبناني لبدء التجربة في “الزوطرين” الشرقية والغربية، مع يحمر وقلعة الشقيف، لم يأتِ اعتباطاً، فلهذه المناطق رمزية واستراتيجية، وهي تعكس تحدياً مباشراً للقدرات التكنولوجية المتقدمة لـ”حزب الله”. وقلعة الشقيف لا يوجد تحتها مخزن أسلحة، لكن “طيور الجنوب” تحوم حولها ليل نهار.

وباعتراف إعلام العدو، فإن “حزب الله” بات يمتلك تفوّقاً عبر “خطوة تكنولوجية”، مؤكداً نجاح الحزب في تطوير قدرات طائراته المسيّرة المزودة بكاميرات الرؤية الليلية والحرارية. كما أن المشاهد التي بثّها الإعلام الحربي لتصوير قلعة الشقيف ليلاً، أحدثت ذعراً في قيادة “الجبهة الداخلية” الإسرائيلية، وأثبتت أن قوات الاحتلال المتمركزة في الجنوب مكشوفة تماماً.

والعمليات الأخيرة بمسيّرتين انقضاضيتين حول قلعة الشقيف، تثبت أن من يملك الميدان هو من يملك القرار الفعلي وقلم التوقيع على أي اتفاق، مهما كانت البيانات والضغوط الدبلوماسية.

الخطر الاستراتيجي يكمن في تحويل الجيش اللبناني من قوة سيادية إلى “حرس حدود” ينفّذ أجندة خارجية، مع ربط أي تقدم ميداني بانطباع فريق المراقبة الأميركية أو قبول الشكاوى الإسرائيلية. هذا المسار المفتوح بلا سقف زمني قد يطيل العملية لسنوات، ويحوّل كل انسحاب إسرائيلي إلى مكافأة مشروطة، وكل تقدم ميداني إلى ورقة تفاوض جديدة.

من منظور عسكري، فإن أي محاولة لإخلاء كامل سلاح “حزب الله” من هذه المناطق، من دون اتفاق داخلي وتفاهم حقيقي مع المقاومة، ستكون كارثة.

مَن يمتلك السلاح والقدرة على الرصد والمبادرة الميدانية يظل الطرف الفاعل في الجنوب، وأي تجاهل لهذه المعادلة سيجعل الجيش اللبناني طرفاً في لعبة لا يمكنه التحكم فيها. كما أن المواجهة المباشرة مع “حزب الله” مستحيلة عملياً، وهو ما يجعل “السيطرة الحصرية” مجرد حبر على ورق بعدما أثبت الميدان فشلها. فما عجزت أربع فرق “إسرائيلية” عن تحقيقه بالنار طوال قرابة عامين، حكماً لن تحصل عليه واشنطن بورقة دبلوماسية.

وما حصل في مدينة بلفاست لم يستطع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر تطبيقه في غزة، و”حماس” حتى اليوم لم تسلّم سلاحها إلى “إسرائيل”، فهل سيقبل “حزب الله” وطهران بذلك؟

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img