
| ريم هاني |
تدفع تداعيات الحرب على إيران حلفاء الولايات المتحدة إلى إعادة تقييم موقع واشنطن كضامن أمني، بعدما كشفت المواجهة حدود قدرتها على الحسم والحماية. وفي هذا السياق، لم يعد تنويع الشراكات خياراً تكتيكياً، بل ضرورة استراتيجية تفرضها تحوّلات موازين القوى.
قبل الحرب مع إيران، كان من الصعب التفكير حتى في تعرّض الولايات المتحدة لهزيمة استراتيجية كاملة لا يمكن إصلاحها. حتى الانتكاسات التاريخية الفادحة التي أصابتها، من مثل الخسائر الأوّلية في الحرب العالمية الثانية، أو الانسحاب من فيتنام وأفغانستان، أو الإخفاقات المبكرة في العراق، إمّا تمّ التراجع عنها في نهاية المطاف، أو التخفيف من حدّتها عبر تحوّلات استراتيجية، أو أنها، على الأقلّ، حدثت خارج المسارح الرئيسَة للتنافس العالمي، ما حال دون إلحاق ضرر دائم بالهيمنة الأميركية على الساحة العالمية. لكن ذلك كلّه كان قبل أن تقرّر واشنطن شنّ عدوانها الأخير على طهران.
في السياق، يرد في تقرير نشرته مجلة «ذي أتلانتيك» الأميركية، أن «الهزيمة في المواجهة الحالية مع إيران ستكون ذات طابع مختلف تماماً عن سابقاتها، ولن يمكن إصلاحها أو تجاهلها»، وأنه «لن تكون هناك عودة إلى الوضع الذي كان قائماً من قَبل، ولن يكون هناك انتصار أميركي نهائي من شأنه أن يلغي الضرر الذي حدث». ويجادل أصحاب الرأي المتقدّم بأن مضيق هرمز لن يعود «مفتوحاً كما كان في السابق. لا بل بفضل سيطرتها على المضيق، تبرز إيران باعتبارها اللاعب الرئيس في المنطقة وأحد اللاعبين الأساسيين في العالم، فيما تعزّزت أدوار الصين وروسيا، باعتبارهما حليفتَين لها، في مقابل تراجع دور الولايات المتحدة بشكل كبير».
وبدلاً من «البراعة» الأميركية، التي يروّج لها مناصرو الحرب باستمرار، كشف الصراع الأخير صورة عن «أميركا غير موثوقة وغير قادرة على إنهاء ما بدأته»، ما سيؤدي، بطبيعة الحال، إلى سلسلة من ردود الفعل في مختلف أنحاء العالم، في وقت يحاول فيه أصدقاء واشنطن وحلفاؤها، على حدّ سواء، «التكيّف» مع «فشلها»، بحسب المجلة نفسها. ومن بين هؤلاء «الأصدقاء»، تتركّز الأنظار، بشكل خاص، على دول الخليج، التي تجد نفسها، حتى اللحظة، في مرمى النيران الأميركية نتيجة حرب لم تخترها، ولم تتمّ استشارتها بشأنها حتى، من دون أن تكون «المظلّة الأمنية» الأميركية قادرة على توفير الحماية الكاملة لها. ومن شأن ذلك أن يعزّز قناعة كانت قد تبلورت بالفعل لدى صنّاع السياسة الخليجيين، بضرورة «تنويع رهاناتهم» ما بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، وتجنّب «الالتفاف» حول سياسات واشنطن الخارجية.
وبحسب تقرير أوردته مجلة «فورين بوليسي»، يتداول المسؤولون الخليجيون، في السرّ، «استنتاجاً غير مريح» بالنسبة إليهم، يتجنّبونه في تصريحاتهم العلنية، مفاده أن إيران، على الرغم من كلّ العقاب الذي لحق بها، لم تخسر هذه الحرب بالمعنى الاستراتيجي، بل كشفت، بـ«أقسى الطرق الممكنة» عن حدود الردع الأميركي في منطقة الخليج. وبالنسبة إلى دولة تعمل في ظلّ عقود من العقوبات بميزانية دفاعية تمثّل جزءاً ضئيلاً ممّا تنفقه الولايات المتحدة في المنطقة في عام واحد، فإن الأداء الإيراني «لم يكن تقليدياً»، بل كان دليلاً على المرونة الاستراتيجية التي لن ينساها «جيران إيران».
في الوقت نفسه، وجدت دول الخليج نفسها مضطرّة إلى التعامل مع حقيقة غير مريحة «عن نفسها» أيضاً، وهي أنّه على الرغم من إنفاق مئات المليارات على أنظمة الأسلحة الأميركية، فإنها لم تتمكّن من حماية بنيتها التحتية المدنية بشكل كامل، وذلك بعدما تمكّنت الطائرات الإيرانية المُسيّرة من الوصول إليها. وبالتالي، تعرّضت صورة الخليج التي تمّ العمل عليها بعناية كوجهة استثمارية مستقرّة، لضربة لا يمكن لأيّ قدر من «الطمأنة الرسمية» إصلاحها بسرعة.
بناءً على ما تقدّم، وعلى الرغم من أن دول الخليج لن تلجأ، بأيّ شكل، إلى الاستغناء عن المساعدات العسكرية الأميركية، إلا أنها قد تتّخذ مسافة أكبر من السياسات الخارجية الأميركية مستقبلاً، ولربّما تفرض شروطاً «أكثر صرامة» بكثير من ذي قبل على الطلبات المستقبلية من جانب واشنطن للحصول على حقوق التحليق، أو الوصول إلى القواعد، أو التغطية الدبلوماسية للعمليات العسكرية من على أراضيها. وبحسب «فورين بوليسي»، وفي حين يدرك القادة الخليجيون أن القوة العسكرية الأميركية حقيقة واقعة، إلا أنهم على دراية أيضاً بأن المتابعة الاستراتيجية والالتزام الطويل الأمد من جانب الولايات المتحدة باتا «غير موثوقيْن»، وهو ما يدفع بدول «مجلس التعاون الخليجي» إلى بناء علاقات تجارية قوية مع الصين، والحفاظ على قنوات اتصال خلفية مع روسيا.
وفي ما يتعلّق بالصين تحديداً، أفاد موقع «آسيا تايمز»، ومقرّه هونغ كونغ، بأن «الحرب الإيرانية أحدثت صدمة عميقة ومنهجية للخليج»، مشيراً إلى أنه «على مدى عقود من الزمن، ازدهر النموذج الاقتصادي في الخليج على أساس تصوّر الاستقرار، الذي عزّزته عوامل من مثل الإعفاءات الضريبية، والأنظمة التنظيمية المرنة، والنظام البيئي الديناميكي والمتنوّع للشركات الناشئة». على أن الركائز المُشار إليها تزعزعت بشكل ملموس بعد أشهر من الحرب، التي استهدفت خلالها الضربات الصاروخية والطائرات المُسيّرة جميع دول الخليج.
نتيجة لذلك، دخلت الدول الخليجية «مرحلة مؤلمة من إعادة التقييم الاستراتيجي لموثوقية الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الأمني»، في وقت لم يعُد يبدو فيه «التطلّع إلى الشرق» وتنويع الخيارات خياراً «معقولاً» فحسب، بل صار ضرورياً من أجل «البقاء». وتبرز الصين، التي توسّعت بصمتها الاقتصادية في الخليج بشكل كبير من خلال التجارة والاستثمار والمشاركة في البنية الأساسية، باعتبارها الشريك الأكثر منطقية الذي قد تلجأ الدول الخليجية إلى تعميق العلاقات معه، ولا سيما أن الحجم الهائل للوجود الاقتصادي الصيني في تلك الدول من غير الممكن تجاهله.
ويذكّر المصدر نفسه بأنه في عام 2023، وفي أعقاب الزيارة التاريخية التي قام بها شي جين بينغ إلى الرياض لحضور قمة «مجلس التعاون الخليجي» (GCC)، بدأت الشراكة تتجلّى في صورة مواءمة استراتيجية شاملة، قبل أن تبلغ التجارة بين الصين والمجلس المذكور، العام الماضي، نحو 300 مليار دولار أميركي. وعلى الرغم من أن هذه الاستثمارات ظلّت، تاريخياً، مقتصرة على قطاع الطاقة ومشاريع الموانئ، فإن «بيئة ما بعد الحرب» قد تدفع الجانبين إلى استكشاف مجالات «أعمق بكثير».














