عقد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لقاءً حوارياً وتشاركياً مع حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، بحضور عدد من النواب والفعاليات الاقتصادية والمالية، خُصص لبحث مسار الإصلاح المالي وإعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع، في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية والمصرفية التي يشهدها لبنان منذ عام 2019.
وفي مستهل اللقاء، شدد رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي شارل عربيد على أهمية التعديلات المرتقبة على مشروع قانون إعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع، مؤكداً ضرورة حماية حقوق المودعين ووضع آليات واضحة لاستعادة الودائع، بالتوازي مع إعادة تنشيط التسليف للقطاع الخاص وتحفيز الاستثمار والانتقال التدريجي من اقتصاد النقد الورقي إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على المدفوعات الرقمية والخدمات المالية الحديثة.
من جهته، قدّم حاكم مصرف لبنان عرضاً شاملاً تناول فيه جذور الأزمة المالية والمصرفية، معتبراً أنها “أزمة نظامية بكل ما للكلمة من معنى”، موضحاً أن الانهيار لم يقتصر على المصارف، بل شمل الدولة ومصرف لبنان والقطاع المصرفي وثقة المواطنين في آن واحد.
وأشار سعيد إلى أن لبنان تكبد خسائر تُقدّر بنحو 80 مليار دولار في القطاع المصرفي، بالتزامن مع تعثر الدولة عن سداد سندات اليوروبوندز عام 2020، وانهيار سعر صرف الليرة اللبنانية بأكثر من 98 في المئة، وغياب أي خطة تعافٍ أو إصلاح فعالة على مدى السنوات الماضية.
وأكد أن الدولة اللبنانية تتحمل المسؤولية الأساسية عن الأزمة نتيجة السياسات المالية المعتمدة لعقود، لافتاً إلى أن مصرف لبنان يتحمل بدوره مسؤولية كبيرة بسبب إخفاقه في أداء دوره الرقابي، كما تتحمل المصارف التجارية مسؤوليتها نتيجة استفادتها من النموذج المالي القائم، في حين اعتبر أن المودعين هم “الطرف الأقل مسؤولية والأكثر تضرراً”، مشدداً على أنهم ضحايا الأزمة وليسوا مسؤولين عنها.
وقال إن مصرف لبنان لن يؤيد أي خطة إصلاحية تُحمّل المودعين العبء الأكبر للخسائر، مؤكداً أن استرداد الودائع يمثل ركناً أساسياً في أي خطة تعافٍ مالية.
وكشف سعيد أن المصرف المركزي سيعمل على تسييل وبيع الأصول التي يملك صلاحية التصرف بها، بما في ذلك حصصه وأسهمه في الشركات ومحفظته العقارية والأوراق المالية التي يملكها، إضافة إلى تحصيل الديون المستحقة له على الدولة، بهدف المساهمة في تأمين الموارد اللازمة لمعالجة الأزمة والمساعدة في إعادة أموال المودعين.
وعرض الحاكم خريطة طريق للتعافي تقوم على خمسة مسارات متوازية تشمل التدقيق الكامل في حسابات مصرف لبنان والمصارف التجارية، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، واسترداد الودائع، وإعادة هيكلة الدين السيادي، إضافة إلى تنفيذ إصلاحات مالية وإدارية شاملة داخل مؤسسات الدولة.
وفي ما يتعلق بالجدول الزمني، توقع سعيد أن تمتد مرحلة الاستقرار بين عامي 2026 و2027، وتشمل استكمال التدقيقات وإقرار القوانين الإصلاحية والتوصل إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي، على أن تبدأ عملية إعادة هيكلة المصارف وتسوية الدين العام بين عامي 2027 و2028، فيما قد يشهد لبنان عودة تدريجية إلى الوضع الطبيعي بين عامي 2028 و2030 إذا تم تنفيذ الإصلاحات المطلوبة.
وأشار إلى أن مشروع قانون إعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع المحال إلى مجلس النواب سيخضع لنقاشات واسعة، متوقعاً إقراره في نهاية عام 2026 أو مطلع عام 2027.
وتطرق سعيد إلى ملف الاقتصاد الموازي وتبييض الأموال، معتبراً أن بقاء لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي الدولية يشكل عائقاً أمام استعادة الثقة بالنظام المالي. وأكد أن مصرف لبنان اتخذ سلسلة إجراءات لتعزيز الشفافية ومكافحة الجرائم المالية والتعاون مع الهيئات الدولية المختصة.
كما أعلن أن شركة “ألفاريز آند مارسال” تواصل تنفيذ التدقيق الجنائي الموسع في حسابات مصرف لبنان، مشيراً إلى أن التحقيق يشمل جميع الأموال التي دُفعت أو تم تسهيل دفعها عبر المصرف المركزي خلال الفترة الممتدة بين تشرين الأول 2019 ونهاية عام 2023.
وأكد الحاكم أن مصرف لبنان يتعاون مع السلطات القضائية اللبنانية والأجنبية في ملفات الأموال المحولة إلى الخارج بصورة غير مشروعة، مشدداً على أن أي أموال يتم استردادها من هذه الملفات ستعود إلى المودعين ولن تُعتبر مورداً للدولة.
وشدد سعيد على أن الأزمة اللبنانية لم تكن نتيجة ظرف عابر، وأن الخروج منها يتطلب إصلاحات جذرية ومساءلة حقيقية وإرادة سياسية جدية، معتبراً أن الطريق إلى التعافي بات معروفاً، لكن تنفيذه يحتاج إلى قرارات حاسمة والتزام فعلي من مختلف الجهات المعنية.














