spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderالمسعفون.. استشهاديو الإنسانية في ظل الانتهاكات!

المسعفون.. استشهاديو الإنسانية في ظل الانتهاكات!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| بتول أرسلان |

أبطال حملوا رسالة الحياة في قلب الخطر، وارتضوا أن يكونوا في الصف الأول بين الجريح والنجاة… مسعفون لا يكتفون بوصف الألم، بل يدخلون إليه في لحظاته الأكثر قسوة، حيث يصبح القرار الإنساني مرتبطًا بثوانٍ معدودة بين الوصول أو التأخر، وبين إنقاذ حياة أو خسارتها. هم أول من يتحرك حين يتوقف كل شيء، وآخر من يغادر حين تبقى الأرواح معلّقة على أملٍ صغير وسط الدمار.

في الجنوب والبقاع، لم يعد الحديث عن الطواقم الإسعافية مرتبطًا فقط بواجبهم الإنساني، بل بواقع ميداني بالغ القسوة، حيث تعمل هذه الفرق في بيئة تتداخل فيها مهمة الإنقاذ مع مخاطر مباشرة تطال طريق الوصول نفسه، في ظلّ وقائع ميدانية وشهادات متكررة عن استهداف أو عرقلة عمل سيارات الإسعاف أثناء تأدية مهامها. وهكذا، لم تعد الشارة الطبية مجرد رمز حماية، بل أصبحت في كثير من اللحظات جزءًا من مشهد الخطر ذاته.

على الأرض، لم تعد سيارة الإسعاف وسيلة عبور آمنة، بل تحوّلت إلى مهمة تتحرك داخل مساحة مفتوحة على الاحتمال، حيث يُقاس الوصول إلى المصاب ليس فقط بسرعة الاستجابة، بل بقدرة الطاقم على اجتياز طريق غير مضمون، في لحظة قد يتقدّم فيها الواجب الإنساني على كل ما عداه، رغم أن الكلفة قد تكون عالية ومفتوحة على كل الاحتمالات.

وبين ثقل الواجب الإنساني وواقع الميدان، يتكشف عمل المسعفين كأحد أكثر الأدوار هشاشة في لحظات التصعيد، حيث يصبح إنقاذ الحياة فعلًا يوميًا محفوفًا بما يتجاوز الخطر المهني المعتاد، ليضعهم في مواجهة مباشرة مع سؤالٍ دائم: كيف يمكن حماية من اختاروا أن يكونوا خط الدفاع الأول عن الحياة نفسها؟.

لم يعد الوصول إلى المصاب مجرد مسافة تُقطع، بل أصبح قرارًا يُتخذ تحت ضغط النار”!

اعتبر المسعف أحمد جابر من مدينة النبطية، في حديث لموقع “الجريدة”، أنه رسم صورة دقيقة لما يعيشه المسعفون في الميدان خلال تنفيذ مهامهم تحت القصف والغارات، حيث لم يعد الوصول إلى المصاب مجرد مهمة إسعافية عادية، بل قرارًا يُتخذ في لحظات مشحونة بالخطر والاحتمالات المفتوحة.

وقال إن طريق الوصول إلى المصاب “لم يعد مجرد مسافة تُقطع، بل أصبح قرارًا يُتخذ تحت ضغط النار والوقت والمجهول”، موضحًا أنه فور ورود البلاغ لا مجال للتفكير الطويل، لكن كل انطلاق بات يتطلب حسابات دقيقة تتعلق بخطورة المنطقة، واحتمال استهداف الطرق أو تجدّد القصف.

وأضاف حابر أن “الثابت الوحيد هو الواجب الإنساني”، لأن الجريح لا يمكن أن ينتظر، فيما تتغير فقط ظروف الوصول وحدّة المخاطر، مشيرًا إلى أن كل مهمة باتت أشبه بعبور في مساحة مفتوحة على الاحتمالات.

وأشار إلى أن لحظات التوجه إلى مكان الإصابة لا يمكن فصلها عن الخطر، بل تصبح جزءًا منه، لافتًا إلى أن ما يدفع المسعف للاستمرار هو إدراك بسيط لكنه حاسم: وجود إنسان ينتظر المساعدة. ولفت إلى أن التوازن بين الواجب المهني والنجاة الشخصية “يميل دائمًا لصالح الواجب”،لأن طبيعة العمل لا تسمح بوضع الذات في المقدمة، مضيفًا: “نحن لا نلغي الخوف، لكننا نؤجله”، لأن التراجع في لحظة إنقاذ قد يعني خسارة لا يمكن تعويضها.

وفي ما يتعلق بمفهوم الحياد الإنساني، أكد جابر أن الواقع الميداني فرض إعادة قراءة لهذا المفهوم، موضحًا أن هناك لحظات يصبح فيها واضحًا أن شارة الإسعاف، التي يفترض أن تشكل حماية، لا تمنع الخطر أحيانًا، بل ترافقه.

وقال إن الحياد الإنساني “انتقل من كونه شعارًا نظريًا إلى تجربة تُختبر يوميًا تحت النار”، مشددًا على أنه رغم ذلك يبقى الالتزام به جزءًا أساسيًا من الهوية المهنية للمسعف، حتى في أقسى الظروف.

واشار إلى أن ما يبقى بعد انتهاء المهام في مناطق القصف ليس فقط صور الجرحى الذين يتم إنقاذهم، بل تفاصيل الطريق بكل ما يحمله من أصوات ودخان وارتباك ولحظات حاسمة، مؤكدًا أن هذه المشاهد “لا تختفي بل تتراكم بصمت”، وأن المسعف يتعلم مع الوقت كيف يتعايش معها دون أن تعيقه، لأن توقفه يعني عمليًا غياب من سيكمل المهمة في المرة التالية.

“سرعة الاستجابة لم تعد تُقاس فقط بزمن الوصول”

بدوره، أكد المسعف علي حيمور من بلدة سحمر، في حديث لموقع “الجريدة”، أن طبيعة العمل الإسعافي في البقاع الغربي شهدت تحوّلًا واضحًا مع اتساع رقعة التوترات، مشيرًا إلى أن سرعة الاستجابة لم تعد تُقاس فقط بزمن الوصول، بل بمدى القدرة على اتخاذ القرار المناسب في بيئة غير مستقرة. ولفت إلى أن المسافة لم تعد العامل الحاسم كما في السابق، بل باتت طبيعة الطريق وظروفه الأمنية هي العنصر الأكثر تأثيرًا، موضحًا أن كل تحرك يتطلب قراءة سريعة ودقيقة للمشهد قبل الانطلاق، ما جعل عاملَي “الوقت” و”الأمان النسبي” متداخلين في كل مهمة إسعافية.

وأشار حيمور إلى أن قرار الانطلاق لا يقوم على معيار واحد، بل على توازن دقيق بين الجاهزية الطبية وتقييم المخاطر الميدانية في آنٍ واحد، موضحًا أن الطواقم تعمل وفق بروتوكول يراعي الحالة الإسعافية من جهة، والظرف الأمني من جهة أخرى.

وأضاف أن لحظة اتخاذ القرار تُعد من أصعب المراحل، كون المسعف يجد نفسه أمام مسؤولية مزدوجة تتمثل في إنقاذ حياة إنسان من جهة، وضمان عدم تعريض الطاقم لمخاطر غير محسوبة من جهة أخرى، على حد تعبيره.

وفي سياق متصل، أكد أن بعض الحالات تشهد تغييرًا في مسار سيارة الإسعاف أو إعادة تقييم للمهمة بشكل فوري نتيجة تطورات أمنية مفاجئة، لافتًا إلى أن هذه اللحظات تُعد من أكثر المواقف حساسية وصعوبة على الفريق.

كما أشار حيمور إلى أن طبيعة الوضع الأمني في البقاع الغربي انعكست بشكل مباشر على نوع الإصابات التي تتعامل معها الطواقم الإسعافية، إذ أصبحت الإصابات المرتبطة بالقصف والأحداث الأمنية أكثر تعقيدًا وتتطلب تدخلًا سريعًا ودقيقًا في ظروف شديدة الصعوبة.

ولفت إلى أن الضغط النفسي على المسعفين ارتفع بشكل ملحوظ نتيجة حجم المخاطر وتكرار المشاهد القاسية، إضافة إلى تحديات الوصول الآمن، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الطواقم تواصل عملها رغم ذلك للحفاظ على أعلى درجات الجاهزية المهنية والإنسانية

“وجدت نفسي أمام مشهد يختلط فيه الواجب المهني بالانهيار الإنساني”

من جهته، وصف المسعف حسين شريم من بلدة حومين الفوقا، في حديث لموقع “الجريدة”، اللحظة التي واجه فيها إصابة والدته بأنها كانت “صادمة إلى حد يفوق الوصف”، مشيرًا إلى أن الثواني الأولى لم تكن قابلة للاستيعاب الكامل، إذ وجد نفسه أمام مشهد يختلط فيه الواجب المهني بالانهيار الإنساني.

ولفت إلى أنه رغم شدة الصدمة، حاول التعامل مع الحالة كما يتعامل مع أي إصابة أخرى، غير أن الفارق هذه المرة كان أن المشاعر كانت تسير في اتجاه معاكس تمامًا للواجب المهني، ما جعل التجربة استثنائية بكل تفاصيلها.

وأوضح أن الفصل بين كونه مسعفًا وابنًا كان بالغ الصعوبة، لكنه لم يكن خيارًا مطروحًا، لأن الحالة الطارئة فرضت التدخل الفوري من دون أي تأخير.

وأضاف شريم أن الصدمة الإنسانية كانت الأسرع والأقوى في تلك اللحظات، حيث أدّت لحظة التعرف على والدته إلى ما يشبه “تجميد الزمن” لبضع ثوانٍ، قبل أن يتدخل التدريب المهني والمسؤولية الإنسانية ويفرضا إيقاعهما على المشهد.

وأشار إلى أنه انتقل مباشرة إلى حالة من “العمل التلقائي”، حيث بدأ بالإجراءات الإسعافية دون أن يسمح للانهيار العاطفي بأن يوقفه، مؤكدًا أن هذه التجربة تُعد من أصعب ما مرّ به على الإطلاق، لأنها جمعت بين أقصى درجات الضعف الإنساني وأعلى مستويات الالتزام المهني في آنٍ واحد.

وتابع أن التعامل مع الموقف كان أشبه بعملية فصل قسرية بين القلب والعقل، موضحًا أنه اضطر إلى حصر تركيزه في المؤشرات الطبية فقط، رغم حالة الاضطراب العاطفي الشديد التي كان يعيشها في تلك اللحظة. وأضاف أن أي تردد كان يمكن أن يغيّر النتيجة بالكامل، لذلك تمسّك بما تلقاه من تدريب مهني يقوم على تقييم الحالة وتأمين التنفس والسيطرة على النزيف ثم الإسراع في نقل المصابة.

ولفت إلى أن التحدي الأكبر لم يكن في الإجراءات الطبية نفسها، بل في الحفاظ على الحد الأدنى من الهدوء الداخلي، في ظل كون المصابة هي والدته.

وأشار شريم إلى أن هذه التجربة غيّرت الكثير في نظرته لمفهوم الحياد المهني، موضحًا أنه لم يعد يراه مجرد التزام تقني، بل اختبارًا إنسانيًا قاسيًا يواجه فيه المسعف حدود قدرته على التوازن بين مشاعره ومسؤولياته.

وأضاف أن عمله كمسعف لم يتغير من حيث الواجب، لكنه أصبح أكثر وعيًا بهشاشة الإنسان خلف الزي المهني، مؤكدًا أن تلك اللحظة جعلته يدرك أن المسعف ليس بعيدًا عن الألم، بل هو أول من يواجهه، حتى عندما يكون داخل عائلته نفسها.

“أرقام توثّق حجم الاستهداف… وضحايا هم أصحاب رسالة إنسانية”

في سياق الاعتداءات على القطاع الصحي، كشف وزير الصحة ركان ناصر الدين أنّ الوزارة وثّقت 163 اعتداءً مباشراً على فرق إسعافية وصحية، طالت طواقم تابعة لـالصليب الأحمر اللبناني، والدفاع المدني، وجمعية كشافة الرسالة الإسلامية، والهيئة الصحية الإسلامية، وجمعية إسعاف النبطية، وهيئة الإسعاف الشعبي.

وأوضح أن هذه الاعتداءات أسفرت عن استشهاد 108 من المسعفين والعاملين الصحيين، إضافة إلى تضرر 108 سيارات إسعاف وإطفاء بشكل كامل، فضلاً عن استهداف 16 مستشفى بشكل مباشر، وإخراج أربعة مستشفيات من الخدمة قسرًا.

وأكد الوزير أن هذه الأرقام “ليست مجرد إحصاءات”، بل تعكس حجم الخسائر البشرية والإنسانية، مشيرًا إلى أنها تمثل “عائلات وأمهات وزوجات وأطفالاً فقدوا أبناءهم”.

وشدد على أن الضحايا لم يكونوا عسكريين أو مسلحين، بل أفرادًا من طواقم إنسانية يؤدون واجبًا محميًا بموجب الاتفاقات الدولية وشرعة حقوق الإنسان، لافتًا إلى أن هذه القواعد “لا يتم الالتزام بها من قبل العدو الإسرائيلي”.

“حماية المسعفين وفق القانون الدولي الإنساني”

ووفقًا لاتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، يجب احترام وحماية المسعفين في جميع الظروف، طالما أنهم يؤدون مهامهم الإنسانية فقط ولا يشاركون في الأعمال القتالية.

كما ينصّ القانون الدولي الإنساني على أنه حتى في حال الاشتباه باستخدام المنشآت الطبية لأغراض عسكرية، لا بد من وجود أدلةواضحة، وتوجيه إنذار مسبق، ومنح مهلة زمنية معقولة قبل تنفيذ أي استهداف، مع ضرورة اتخاذ كل الاحتياطات الممكنة لتجنب إصابة المدنيين والطواقم الطبية وضمان الحد من الأضرار.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” اضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/D1AbBGEjtWlGzpr4weF4y2?mode=gi_t

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img