|زينة أرزوني |
بينما تستغل “إسرائيل” المنطقة الرمادية لنتائج الدبلوماسية الإيرانية – الأميركية، واجتماعات البنتاغون، وتزيد من مجازرها بحق الشعب اللبناني في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، بدأت التساؤلات تتصاعد حول موقف طهران مما يحصل في لبنان، وعدم استهداف “إسرائيل” بالصواريخ حتى اللحظة، رغم الضربات العسكرية التي وُصفت بـ”الدفاعية” بين أطراف يفترض أنها تتحاور لإنهاء الحرب، وإدراك طهران أنّ رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو قد ينجح في استدراج الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمشاركة معه في حرب ثالثة فاصلة، يعتقد أنها ستنتهي حتماً بالتخلص نهائياً من النظام الإيراني الحالي.
لا يمكن فهم تصرفات إيران باعتبارها مجرد رد فعل على أحداث غزة أو لبنان، وكأنها حزب مسلح يتصرف عشوائياً. فإيران دولة كبرى تحكمها مؤسسات دستورية متكاملة، تُتخذ فيها قرارات السلم والحرب وفق توافق دقيق بين تيارات متعددة، تختلف وتتفق بحسب ما تراه مصلحة الدولة العليا.
الواقع السياسي الإيراني لا يسمح بردود فعل عاطفية. والرد على هجوم أميركي ليس هو نفسه المبادرة إلى قصف “إسرائيل” لأسباب لبنانية، إذ يصعب تصور أن يذهب مجلس الأمن القومي الإيراني إلى حرب واسعة لأسباب لا ترتبط مباشرة بالمصلحة الإيرانية.
إيران، في نهاية المطاف، دولة تتصرف وفق ما تراه مصلحة لشعبها ونظامها، ما دامت لا تضطر إلى التخلي عن الركيزتين اللتين تستمد منهما شرعيتها السياسية: العداء لكيان الاحتلال الإسرائيلي ورفض الهيمنة الأميركية، لا الانخراط في مغامرات عابرة.
لكن إيران اليوم تعيش على وقع ما يمكن تسميته بـ”الخديعة الإسرائيلية” التي تنفّذها الولايات المتحدة… كيف ذلك؟
واشنطن لا تقدم تنازلات استراتيجية ترضي طهران، لكنها تزرع جذور الانقسام عبر استمالة الإصلاحيين بوعد ازدهار اقتصادي وانفتاح على الاقتصاد العالمي، مقابل تنازلات تدريجية قد تبدأ بالمخزون الاستراتيجي الإيراني، وقد تمتد لاحقاً إلى الملف النووي نفسه.
هذا الواقع، كما يبدو، أوجد تبايناً داخل دوائر القرار الإيرانية بين تيار جذري يتمسك بخيارات المواجهة وبثوابت الثورة، ويضم شرائح واسعة من الحرس الثوري والقوى العقائدية وأنصار ولاية الفقيه، وبين تيار إصلاحي يحلم بإيران أكثر انفتاحاً وعلاقات طبيعية مع المجتمع الدولي.
المعادلة الإيرانية دقيقة
وهنا تبرز معادلة معقدة: إذا انتصر الإصلاحيون، وقبلت إيران بالتخلي عن أوراق القوة التي تملكها، تكون إدارة دونالد ترامب قد حققت أهدافها الاستراتيجية الأساسية، من دون أي ضمانة حقيقية بأن تحصل طهران، في المقابل، على ما وُعدت به من مكاسب اقتصادية أو سياسية.
أما إذا انتصر التيار الجذري ورفض تقديم التنازلات، فإن واشنطن تكون قد نجحت، على الأقل، في تعميق الانقسام داخل الدولة الإيرانية، وإثارة نقاش حاد داخل الشارع الإيراني حول مستقبل البلاد وخياراتها.
لبنان في قلب المعادلة
أما في ما يتعلق بلبنان، فمن ينتظر انفراجاً يأتي من خارج موازين القوة على الأرض، التي فرضتها المقاومة بالمسيرات المفخخة وصدّ التوغل البري، قد يطول انتظاره كثيراً. فالمشهد الحالي لا يوحي بوجود تسوية سياسية وشيكة، بل باستمرار واقع يتسم بالاحتلال والتدمير واستهداف مناطق واسعة من الجنوب، وما يرافق ذلك من معاناة إنسانية وسكانية.
وفي مواجهة هذا الواقع، لا يمكن لأي طرف لبناني منفرد أن يحمل عبء المواجهة أو قرارها. فحماية لبنان تتطلب وحدة وطنية حقيقية، وحكومة قادرة، وجيشاً وطنياً جامعاً، وشعباً موحداً حول رؤية وطنية للمقاومة والدفاع، لا أن يبقى القرار محصوراً بحزب أو فئة واحدة.
توحيد الشعوب لا يتحقق بالميوعة السياسية، ولا بالرعب من العقوبات الأميركية، ولا بالخوف من تبعات مواجهة مشروع إقليمي معادٍ يسعى إلى إشعال الفتن خدمة لـ”إسرائيل”. إن توحيد الشعب اللبناني يكون بتنفيذ اتفاق الطائف والدستور وتطبيق القوانين، وهناك طريقة واحدة لضمان هذا المسار، هي غلبة القانون على من ينتهكونه.
التجربة التاريخية واضحة: غاندي وحّد الهند بالنضال غير العنيف، والأميركيون فرضوا وحدتهم بالغلبة العسكرية، بينما انهار الاتحاد السوفياتي بالغلبة الشعبية.
وفي لبنان، يبقى الطريق الوحيد هو غلبة القانون على الخارجين عنه، والتطبيق الصارم للطائف والدستور.
أما الحديث عن مفاوضات أميركية ـ إيرانية تقود إلى حلول كبرى في المنطقة، فهو أقرب إلى صراع إرادات ومحاولة لإعادة تشكيل التوازنات داخل إيران نفسها، أكثر منه مساراً حقيقياً نحو التسوية.
ولعلّ ما يدعم هذا الانطباع صدور تصريحات متزامنة من شخصيات إيرانية متعددة، بعضها يدعو إلى الوحدة الداخلية، وبعضها الآخر يقلل من أهمية الخلافات ويصفها بأنها طبيعية داخل النظام.
وفي النهاية، يبقى القرار النهائي في القضايا المصيرية بيد المرشد الإيراني، صاحب الكلمة الحاسمة في تحديد اتجاه الدولة وخياراتها الكبرى، سواء في السلم أو الحرب. وهذا ما يؤكده تصريح المرشد الأعلى السيد مجتبى خامنئي اليوم، حين ألمح إلى أنّ “المخطط الأعمى للعدو، بعد الحرب المفروضة والضغوط الاقتصادية والحصار الإعلامي والسياسي، يكمن في بث التفرقة والتفكك الاجتماعي للتعويض عن هزائمه في الميدان العسكري وإخضاع الأمة”، داعياً إلى “بذل جهد أكبر في صون وحدة الصفوف المتراصة والمتلاحمة للشعب، وألّا يحوّلوا الخلافات غير المبرّرة، وحتى المبرّرة، إلى نزاع وفرقة، بل أن يكونوا قولاً وعملاً مظهراً لوحدة الأمة وتماسكها”.














