| جورج علم |
الصين.. هل يُفسَح لها المجال؟
لم يسجّل التاريخ الحديث أي دور بارز للصين في معالجة أزمة معقّدة بحجم تلك المتفاقمة في المنطقة. كانت لها أدوار هادئة، بعيدة عن الضجيج الإعلامي، ساهمت في معالجة العديد من الأزمات المعقّدة، ودائماً من وراء الكواليس.
في 26 أيار الفائت، خرج وزير الخارجية وانغ يي عن المألوف، وأعلن، من على منبر الأمم المتحدة في نيويورك، استعداد بلاده لـ”القيام بدور بنّاء، والمساهمة في خفض التوتر، والتوصّل إلى تسوية سلميّة”، مشيراً إلى أنّ بكين تضغط دبلوماسياً للتقريب بين واشنطن وطهران.
أعرب عن أمله في “أن تلتقي الأطراف المعنيّة في منتصف الطريق”.
لم يطرح مبادرة، بل تحدّث عن إمكانيّة، والإمكانيّة تصدر عن المتمكّن. والصين متمكّنة سياسياً واقتصادياً، ودبلوماسياً ومعنوياً.
كانت، حتى الأمس القريب، في الصف الثاني، أمّا الآن فتتصدّر الصف الأول. يقصدها الأميركي، والروسي، والأوروبي، والإيراني، والخليجي. فهل تصعد إلى قمرة القيادة، وتقود قطار الوساطات على السكّة الصحيحة المؤدية إلى محطة الاستقرار؟
الخلفيات مشجّعة، ذلك أنّ إسلام أباد أعطت من زخمها ومخزونها الدبلوماسي ما أثار دهشة العالم، وتهافتت دول كبرى، وأخرى معنيّة، على رصد الخفايا والخبايا، وما يجري وراء الكواليس لحماية مصالحها.
إلّا أنّ همهمات بدأت تتصاعد في فضاء المنطقة، في الآونة الأخيرة، مُشكّلةً سحابةً من التشكيك، كون الوسيط الباكستاني هدر الكثير من طاقته ووقته، وآن الأوان لدخول إمكانات أخرى على الخط، لإنضاج الوساطة وتفعيلها، من موقع القادر على مخاطبة الطرفين الأميركي والإيراني، لملاقاتهما في “منتصف الطريق”.
وإذا كانت الوساطة الباكستانية مقبولة من الطرفين الإيراني والأميركي، فهي ليست كذلك، أو ليست على القدر نفسه من الحماس، من الجانب العربي، وتحديداً الخليجي. فالعرب ليسوا بحاجة إلى وسيط، إنهم أهل مكة وأدرى بشعابها، وقادرون على مخاطبة الإيراني مباشرة. وهذا ما عكسه رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الأسبق الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، في موقفه المتقدّم، عندما قال: “نحن وإيران أهل جوار، وجزء من جغرافية هذه المنطقة، ومهما باعدت الخلافات في ما بيننا، فلا بدّ من الحوار، ولا بدّ من التفاهم لحماية مصالحنا، بمعزل عن الأميركي والإسرائيلي، أو أي طرف آخر”.
وعندما تتقدّم دولة بحجم الصين للقيام بدور الإطفائي، فهذا يعني أنّ لها القدرة والإمكانيّة.
لقد استقبلت، في الأمس القريب، الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي شجّع الرئيس شي جين بينغ على القيام بدور، رغم أنّه راوغ، في طريق عودته إلى البيت الأبيض، ونفى، على متن الطائرة الرئاسية، أن يكون قد طلب مساعدة. لكنّ المحادثات الرسميّة سجّلت الطلب بلغة واضحة لا تقبل التشكيك.
واستقبلت بكين، بعده، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وصدر بيان رسمي لخّص المحادثات، الأمر الذي لم يحصل مع الرئيس الأميركي، إذ لم يصدر بيان رسمي مشترك، وأكّد البيان الصيني ـ الروسي ضرورة معالجة الأزمة الإيرانية بالطرق الدبلوماسية، مع دعم روسي لأي مبادرة تقودها بكين.
وبعد القمّتين البارزتين، ترأس وزير الخارجية الصيني، في 26 أيار الجاري، جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك حول مضيق هرمز، وأعلن، على الأثر، استعداد بلاده “للقيام بدور بنّاء، والمساهمة في خفض التوتر، والتوصل إلى تسوية سلميّة”.
وبكين مؤهّلة وقادرة…
مؤهّلة، كونها استقبلت، بحفاوة إعلامية لافتة، وفداً إيرانياً رفيعاً برئاسة وزير الخارجية عباس عراقجي، قبيل انعقاد القمة الصينية ـ الأميركية، وكان بحثٌ معمّق في البنى التحتية المفترض تأمينها، كي تُبنى مبادرة ناجحة على أساساتها.
وبكين قادرة، كونها تستطيع مخاطبة كل الأطراف المعنيّة بلغة الحكمة والعقل والقانون الدولي، ومن موقع الحكم النزيه والعادل، البعيد عن لغة الاستجداء ولوثة الابتزاز.
ومهّدت الناطقة باسم وزارة الخارجية، ماو نينغ، الطريق أمام الوساطة، بحضّها “الأطراف المعنيّة على الوفاء بالتزاماتها تجاه وقف إطلاق النار، وحلّ الخلافات بالوسائل السلميّة، ومواصلة السعي، من خلال الحوار والتعاون، إلى إيجاد حلّ يأخذ في الاعتبار الهواجس المشروعة لجميع الأطراف”، مشدّدةً على “ضرورة العمل للتعجيل في إحلال السلام”.
وأكدت نينغ أنّ الصين “مستعدة لمواصلة الاضطلاع بدور بنّاء في التسوية السياسية والدبلوماسية للقضية النووية الإيرانية، وذلك من أجل حماية النظام الدولي لمنع انتشار الأسلحة النووية، وتعزيز السلام والاستقرار في الشرق الأوسط والعالم”.
ويستند الرئيس الصيني، في مقاربته للأزمة الإقليمية، إلى رصيد ثابت في التاريخ؛ إذ نجح، في آذار 2023، في إقناع الطرفين السعودي والإيراني باستئناف علاقاتهما الدبلوماسية المقطوعة بين البلدين منذ عام 2016. ورعى مفاوضات سعودية ـ إيرانية في بكين أدّت إلى إعادة فتح السفارات والقنصليات، وتفعيل “اتفاقية التعاون الأمني” الموقّعة عام 2001، و”الاتفاقية العامة للتعاون في مجال الاقتصاد والتجارة والاستثمار” لعام 1998.
كانت الخمائل الصينية مزركشة دائماً بألوان الفرح والأمل والتفاؤل، خصوصاً في عهد الرئيس شي جين بينغ. فهل يُقدِم، بعد طول أناة ودرس وتخطيط، على دعوة الأطراف المعنيّة إلى ملاقاته في منتصف الطريق، والسير معاً نحو ورشة السلام، لبناء جدار الثقة المتصدّع، وإرساء أسس الاستقرار، توطئةً للازدهار؟
للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط














