spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderتفاجئك الريح الأميركية.. وغالباً ما تهبّ عكس التوقعات!

تفاجئك الريح الأميركية.. وغالباً ما تهبّ عكس التوقعات!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| جورج علم |

 

دخل وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت على خط المفاوضات، وبادر إلى فرض العقوبات.

كان الاعتقاد السائد أن الدبلوماسية وحدها تتكلم، وأن القفازات الحريرية هي التي تقلّب الصفحات، وتدوّن العناوين والتفاصيل.

وأغلب الظن أن ما رجّح كفة هذا الاعتقاد هو ظهور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ضمن إطار الصورة، متوسطاً الوفدين اللبناني والإسرائيلي.

هذا في الجولة الأولى. أما في الثانية، فقد احتل المشهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتفّ حوله المعنيون بورشة التفاوض.

لم يكن للمال والاقتصاد مكان في الصورة، وانتهت الجولة الثانية إلى التفاهم على مسارين: أمني وسياسي. وفجأة، أطل وزير الخزانة متحدثاً عن عقوبات تطال أمنيين وسياسيين، وفق لائحة تتضمن أسماء باتت متداولة.

وأبعد من الأسماء، هناك الخلفيات: لماذا في هذا التوقيت؟

الجواب الافتراضي هو تبديل الأولويات. كان الحديث يدور حول تثبيت وقف إطلاق النار، وبات يدور الآن حول العقوبات وأبعادها ومراميها.

وفي موازاة ذلك، هناك حديث عن “السلة”.

كان المفاوض اللبناني، ولا يزال، يطالب بوقف لإطلاق النار كمدخل للمفاوضات، ويؤكد ويشدّد على ذلك. إلا أن الإسرائيلي رفض، ولا يزال يرفض، مصراً على أن يكون وقف النار جزءاً من “التسوية”، مطالباً بـ”سلة متكاملة” تشمل تفاهمات على كل العناوين والتفاصيل. وعندما تتوافر الضمانات، يبدأ التنفيذ بوقف إطلاق النار.

وقد وفر الوسيط الأميركي الدعم الكامل لهذا الطرح، انطلاقاً من الآتي:

  • لا يجوز أن ينطلق وقف إطلاق النار من طهران إلى لبنان، بل من واشنطن وتل أبيب.
  • لا يجوز أن يكون لإيران أي دور في المفاوضات، ومن يفاوض عن لبنان هي الدولة اللبنانية.
  • ولا يجوز الانتقال من “حصرية السلاح” إلى شرعنته ضمن أي “تسوية” يمكن التوصل إليها. و”السلة” التي تطالب بها تل أبيب، وتحظى بدعم واشنطن، يجب أن تبقى محصورة بالثلاثي اللبناني – الأميركي – الإسرائيلي، بعيداً عن أي تدخلات إيرانية أو فرنسية أو أوروبية أو أممية.

وقبل أن يدخل وزير الخزانة على الخط، كان الخلاف الداخلي حول المفاوضات مقبولاً أميركياً، طالما أنه بقي تحت سقف حرية الرأي التي يكفلها الدستور.

وقد كلّفت واشنطن سفيرها ميشال عيسى استطلاع حقيقة المواقف، فقام بجولة واسعة شملت كبار المسؤولين، قبل أن يعود ويرفع تقريره. وكانت المعارضة قد خطت خطوة واسعة إلى الأمام قبل انطلاق الجولة الثالثة، فرفعت شعار “التخوين”، وهددت بالنزول إلى الشارع لإسقاط كل ما يمكن أن تسفر عنه المفاوضات من تفاهمات. عندها تغيّر موقف واشنطن، التي اعتبرت أن ما يجري يؤشر إلى انقلاب فعلي على الدولة ومؤسساتها، يبدأ بتظاهرات سلمية وقد ينتهي دموياً. لذلك سارعت وزارة الخزانة، استناداً إلى قرار رئاسي تنفيذي، إلى فتح خزائنها التي تحوي عشرات الملفات التي تشكل – من وجهة نظرها – مضابط اتهام تبرر فرض العقوبات.

وقبل أن تدخل وزارة الخزانة على الخط، كانت حجة المفاوض اللبناني مقنعة، بمعنى أنه يذهب إلى المفاوضات لإنقاذ ما تبقى من وطن عالق بين المطرقة الإسرائيلية والسندان الإيراني. وقد قالها صراحة إنه يرفض أن يبقى لبنان مجرد ساحة متاحة أمام الآخرين لتصفية حساباتهم على حساب مصالح الشعب اللبناني وأمنه واقتصاده ومصيره ومستقبله.

لقد رفض، ولا يزال يرفض، أن يبقى لبنان ورقة ابتزاز يتلاعب بها الإسرائيلي والإيراني. لذلك ذهب إلى واشنطن على أساس أن يلعب الراعي الأميركي دور الحكم النزيه والعادل، الذي يعيد الحق إلى أصحابه. لكن عندما خرجت وزارة الخزانة بالعقوبات، تغيّر المشهد، ومعه المعادلة. وأصبح لبنان عالقاً بين المطرقة الإسرائيلية – الأميركية والسندان الإيراني. فـ”إسرائيل” تقصف عسكرياً، وأميركا تقصف سياسياً، فيما يحاول الإيراني الحفاظ على الحضور والدور والمشروع.

ومع استمرار المفاوضات كخيار مفروض لا بد منه، تتغير الشعارات، وربما الأولويات.

ذهب المفاوض إلى واشنطن لفصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني، فإذا بالوقائع تؤكد الوصل وصعوبة الفصل. إذ لا مصلحة للثلاثي الأميركي – الإيراني – الإسرائيلي، الممسك بالورقة اللبنانية، في انفراج الوضع اللبناني فيما تبقى الأوضاع معقدة في الخليج. الخليج أولاً – وفق مقتضيات مصالحهم – والباقي يأتي لاحقاً.

وذهب المفاوض اللبناني طالباً الضمانات، فإذا بالوقائع تؤكد أنه لا ضمانات أميركية للبنان ما لم تكن ممهورة بتوقيع بنيامين نتنياهو، ومتطابقة مع تطلعاته وأهدافه. ثم إن الضمانات، من منظور واشنطن، تختلف تماماً عن تلك التي يحلم بها لبنان، إذ إنها مرصودة بأمرين:

الأول: إن إدارة الرئيس دونالد ترامب لا تمنح ضمانات لأحد، بل تفرضها فرضاً، أو تحجم عنها إذا وجدت أن هناك استحالة.

الثاني: إن أفضل الضمانات لدى الأميركي تتمثل في كونه يتولى رسم صورة لبنان المستقبل، بالتنسيق والتعاون مع الإسرائيلي، وفق معادلة توازن المصالح في الشرق الأوسط الجديد.

لقد قال الرئيس الراحل كميل شمعون يوماً كلمة مأثورة: “تفاجئك الريح الأميركية، وغالباً ما تهبّ عكس التوقعات”!

 

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img