| غاصب المختار |
بلغ الضغط الأميركي – الإسرائيلي على لبنان الرسمي حداً لم يعد جائزاً السكوت عنه، بعدما فرضت وزارتا الخزانة والخارجية في الإدارة الأميركية عقوبات جديدة على شخصيات لبنانية رسمية ونيابية وعسكرية، بحجج سخيفة وواهية، تناولت للمرة الأولى ضابطين في الجيش اللبناني والأمن العام.
وهي سابقة سياسية لم تحصل في أي دولة سوى مع هذه الإدارة المنحازة بالكامل للكيان الإسرائيلي، في إطار ضغوط باتت أهدافها معروفة.
لكن الجديد فيها هذه المرة هو استهداف ضباط لبنانيين لمجرد أنهم من الطائفة الشيعية، وقد تتوسع العقوبات لتشمل ضباطاً آخرين، طالما أن أسلوب الضغط السياسي والعسكري على لبنان لم ينجح في دفع السلطات الرسمية إلى التراجع عن ثوابتها ومطالبها في المفاوضات.
وإذا كان غير مستغرباً أن تطال العقوبات نواب “حزب الله” وشخصيات من حركة “أمل”، بحكم الموقف السياسي من الطرفين، لا بحكم صحة ودقة الاتهامات السياسية، فإنه من غير المفهوم أن تشمل ضابطين من ضمن مهامهما، بحسب الأجواء الرسمية، التواصل مع مختلف القوى السياسية بهدف تخفيف الاحتقان السياسي والتوتر في البلاد، لا تسريب معلومات أمنية كما زعمت الإدارة الأميركية.
ولعل بيان الأمن العام بشأن الضابط المستهدف بالعقوبات يعبّر بدقة عن طبيعة عمل المديرية، لجهة أن جميع الضباط يخضعون للمراقبة والمساءلة والمحاسبة، وبالتالي لا يمكن تجاوز تعليمات المهام المكلّفين بها، وإلا لانكشفت المخالفات فوراً أو بعد حين، ولتم اتخاذ التدبير المناسب بحق الضابط المخالف. ففي لبنان لا أسرار تستمر مدة طويلة، و”العسس” موجود في كل المجالات، فكيف في الإدارات الرسمية، ولا سيما الأمنية منها؟
بعد كل ذلك، لم يعد خافياً تغليف “الوساطة” الأميركية بين لبنان وكيان الاحتلال الإسرائيلي بعبارات منمّقة لا تقدم حلولاً، ولا تمنع القتل الإسرائيلي العشوائي المصرَّح به أميركياً، ولا تخدم مصلحة لبنان فعلياً. فكل الوعود الأميركية بالضغط على كيان الاحتلال لتخفيف حدة العدوان، وعدم تفجير وتجريف المنازل في الجنوب، كما زعم الرئيس دونالد ترامب، ذهبت هباءً. ولولا خشية ترامب من انهيار المفاوضات بين لبنان وكيان الاحتلال، لما منع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو من مواصلة قصف العاصمة بيروت والضاحية الجنوبية. لكن من مستلزمات إنجاح التفاوض عدم حشر الدولة اللبنانية أكثر مما هي محشورة، نتيجة تراخيها وتسليمها كل الأوراق للوسيط الأميركي غير النزيه.
لكن ما حصل، عبر فرض العقوبات على ضابطي الجيش والأمن العام، أحرج بلا شك الحكم والحكومة، إلا أنهما امتنعا عن الإدلاء بأي موقف ضد التدبير الأميركي، واكتفيا بما صدر عن قيادة الجيش والأمن العام من مواقف حول اتهام الضابطين. ومع ذلك، لم تتوقف أبواق الداخل عن الترويج المؤذي، ولا سيما ضد الجيش، عبر توجيه اتهامات غير مباشرة لمديرية التوجيه من خلال تسريبات تزعم أن المديرية “تصدر بيانات لا تناسب السياسة الأميركية”، وأن هناك “أدلة دامغة حول تغلغل حزب الله في أجهزة الجيش والمخابرات”.
وهو كلام يشكل، ربما، تحضيراً مسبقاً أو تحريضاً داخلياً لدى الأميركي لفرض عقوبات على ضباط آخرين، بينهم مدير التوجيه، المعروف منذ كان ضابطاً شاباً بولائه المطلق للمؤسسة العسكرية، والذي اختاره الرئيس ميشال سليمان ضمن طاقم العمل معه طوال سنوات ولايته الرئاسية.
وبات مناسباً التذكير بكلام الرئيس جوزاف عون بأن “بعض الداخل يبثّ السم لدى الإدارة الأميركية”!
للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط














