| مرسال الترس |
لم يتوانَ المتابعون للشأن السياسي عن وصف الخطوة التي اتخذها رئيس مجلس النواب نبيه بري بإرجاء انعقاد الجلسة العامة يوم الخميس الماضي، إلى حين التوصل إلى توافق بشأن مشروع قانون العفو العام، بأنها استخدام لـ”ميزان ذهب سياسي”، وذلك بعدما لمس أن بعض الأفرقاء في لبنان يسعون إلى تحريك الشارع طائفياً ومذهبياً من أجل مكاسب سياسية وانتخابية، بعدما فشلت الاجتماعات في اللجان النيابية واللقاءات السياسية في التوصل إلى صيغة ترضي جميع الأفرقاء.
وجاء في بيان صادر عن مكتبه الإعلامي: “الوطن أحوج ما يكون إلى التضامن والتوافق، في حين شوهدت في أكثر من منطقة تحركات مترافقة مع تحريض، ويا للأسف، بطابع طائفي ومذهبي”.
وهذه من المرات القليلة التي يسجّل فيها سياسيون في لبنان مواقف على قدر كبير من تحمّل المسؤولية الوطنية إزاء العواصف التي هدّدت الوطن الصغير في أكثر من مفصل محوري من تاريخه منذ ما بعد الاستقلال. ولا ضير من الإضاءة على بعض منها:
في عام 1975، وبعدما ارتفعت وتيرة النقاش السياسي، ولا سيما بين الشارعين المسيحي والإسلامي، حول دعم المقاومة الفلسطينية على الأراضي اللبنانية، وإنزال الجيش لضبط الأمور، لم يتوانَ الرئيس كميل شمعون، الذي أُعيد انتخابه نائباً عن الشوف سنة 1972، عن الإعلان في إحدى جلسات المجلس النيابي بأنه سيحذو حذو النواب السنّة إذا انسحبوا من الجلسة، حتى لا يُسجَّل أن هناك انقساماً طائفياً في البلاد، بالرغم من حدّة الخطاب السياسي في تلك المرحلة.
وفي عام 1984، لم يتأخر الرئيس سليمان فرنجية عن الانضمام إلى “جبهة الخلاص الوطني” التي أُعلنت ضد اتفاق17 أيار مع العدو الإسرائيلي، وبذلك كان الوجه المسيحي الأبرز في تلك الجبهة التي حملت طابعاً إسلامياً، حتى لا يتم تصوير المشهد خارج البلاد بأن المعارضين للاتفاق هم من لون طائفي واحد.
وفي عام 2026، سارع رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى تصويب ما رددته وسائل الإعلام عن أنه يخطط للقاء رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو في واشنطن، بناءً على ترتيب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع التأكيد أن ذلك لن يتم قبل التوصل إلى وقف جدي لإطلاق النار، والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، وذلك بعدما لمس وجود انقسام طائفي في البلاد حول مثل هذه التوجهات، ولا سيما بين الشارعين المسيحي والإسلامي، بمجرد الإعلان عن النية في حدوثها. فكيف لو حصلت فعلاً بعيداً عن التوافق الوطني حولها؟
وهناك الكثير من الوجوه السياسية التي تركت أكثر من قيمة مضافة في الحقل الوطني، أمثال: رياض الصلح، الشهيد رشيد كرامي، عادل عسيران، وريمون إدّه…
هذه الوقائع من الجانب اللبناني، لكن هناك جوانب أخرى دفينة في نفوس البعض، ومنها ما جاء في كلام أحد المشايخ السلفيين، سالم الرافعي، عندما عبّر عن رفضه لما ورد في مشروع قانون العفو العام، حيث كتب: “إذا لم تكونوا قادرين على العيش مع السنّة، ورفضتم ذلك، فلننفصل عن لبنان أو لنعد إلى أهلنا في الشام، ونعيش بكرامة معهم…”.
وأضاف: “ملف العفو العام بالنسبة لنا هو اختبار، ونتمنى أن يكون هناك عقلاء عند المسيحيين والشيعة يراجعون حساباتهم لكي نعيش معاً، وإلا فإن الطلاق هو الحل”.
الواضح أنه، في كل الظروف والأحوال، يجب العمل على إعادة بناء قنوات التهدئة الداخلية، حرصاً على التمكن من التقاط الأنفاس، بانتظار تحقيق خطوات جامعة من كل أطياف المجتمع، بكل طوائفه ومذاهبه.














