spot_img
spot_img
الرئيسيةسياسةوفق هذه المعايير... تُشكّل وفود المفاوضات العسكرية

وفق هذه المعايير… تُشكّل وفود المفاوضات العسكرية

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| جورج شاهين |

كان طبيعياً أن تنصّب الجهود لاستكشاف ما يمكن أن تشهده الجلسة الأولى من المسار الأمني في البنتاغون في 29 الجاري. ولكن، أن تصل الامور بالبعض إلى التعاطي مع مجموعة من السيناريوهات الهمايونية على أنّها من الحقائق، تسقط الكثير من النظريات في «مذبلة» الترهات الإعلامية والسياسية. إلّا انّ اللجوء إلى المراجع المعنية ليس امراً صعباً، بحثاً عن بعض الحقائق الممكنة التي لا تمسّ أمن المؤسسة العسكرية والأمن الوطني، بهدف تصويب بعض ما هو رائج من شائعات.

شاءت المصادفات أن تتلاقى اهتمامات اللبنانيين في هذه المرحلة بالذات، ولا سيما في أعقاب ما انتهت اليه «طاولة واشنطن 3» من آلية عمل أمنية وسياسية، مع مجموعة من المواعيد التي تعني الكثير بالنسبة إلى اللبنانيين. ولما جاءت هذه التطورات في ظل ترددات مجموعة من حروب الإسناد التي خيضت منذ تشرين الاول عام 2023 وما انتهت إليه من كوارث ونكبات. ومع الذكرى الـ43 لاتفاق 17 أيار والـ 26 لعيد التحرير في 25 منه، ينبغي تصويب بعض المواقف والتنبيه من التمادي بما يسيء منها.

إلى ذلك، فقد جاءت هذه التطورات على وقع انقسام غير متكافئ، بين مجموعة ترغب بالاحتفاظ بالسلاح غير الشرعي، أياً كانت هويته، وأخرى تنادي بحصره بالجيش والقوى الأمنية الأخرى وصولًا إلى شرطة البلدية. وكل ذلك يجري بالتزامن مع موجات من التدمير والتجريف طالت عشرات المدن والقرى الجنوبية على يد الجيش الإسرائيلي، لإنهاء مظاهر الحياة ومقوماتها في مناطق مدنية وسكانية، كانت قبل عامين قبلة لأصحابها ومالكيها، ومقصداً لكل من رغب باستكشاف منطقة مزجت بين جمالها الطبيعي وما صنعته يد الإنسان المتمسك بأرضه، بعدما قَصَد بناء قصر ومسكن يتسع لعائلته في أفضل الظروف المعيشية، قبل أن يهجرها تاركاً خلفه ذكريات لا تُمحّى ومعها جنى العمر الذي أمضاه في بلاده أو في الغربة.

ليس في ما سبق مجرد ملاحظات شاعرية أو إنشانية تحاكي العواطف، إنما كان المقصود منها الإضاءة على خطورة المضي في بعض المحاولات الجارية للمسّ بمعنويات الوفد المفاوض في واشنطن، وتعزيز الشرخ والشقاق بين اللبنانيين والتشهير بالمؤسسات الدستورية والعسكرية والأمنية، والحدّ من أي محاولة لإحياء الدولة وإعادة بناء المؤسسات المتهالكة، وترميم ما تركته حروب الآخرين على أرضه لعقود من الزمن، وهي تتطلّب خطوات كبرى لا يمكن مقاربتها من دون العودة إلى المنطق وانتظار كلمة سواء من المعنيين أصحاب القرار.

وطالما انّ المفاوضات مرتبطة بصلاحيات رئيس الجمهورية بالتنسيق مع رئيس الحكومة، فإنّ تركيبة الوفد الأمني تتحول مهمّتهما ومعهما قائد الجيش، من أجل إدارة جيدة للمفاوضات، في مواجهة وفد أمني وعسكري إسرائيلي من الاختصاصات والرتب العسكرية عينها. ذلك انّ تركيبة الجيشين مبنية وفق القواعد الغربية عينها.

وعليه، وعند الدخول في بعض تفاصيل المواقف الرائجة وما حملته من تهجّم وتجريح طال المفاوضين رئيساً ومسؤولين، فإنّه كان من الواجب المُلقى على عاتق أصحاب الرأي من المنظرين والسياسيين، عند الحديث عن تشكيل لواء خاص بالجيش «خالٍ من الشيعة» كما يُقال، ليتولّى مهمّة حصر سلاح الحزب، أن يتعاطى مع هذا الامر من باب العلم والمعرفة بعقلية الجيش وتركيبته وقواعد الاشتباك المعتمدة. ليكون مدار إهمال على الاقل، بدلاً من المزايدات والتهديد والوعيد بقتال قائد هذا اللواء غير الموجود أصلاً، والتوقف عند رفض أصحاب القرار أينما وجدوا. وإن بلغ الأمر تركيبة الوفد المفاوض، فإنّ اي مراجعة لمحطة سابقة من المفاوضات المتعددة الأشكال التي خيضت مع اسرائيل لسنوات خلت تؤكّد ذلك.

ولو لجأ بعض المنظّرين إلى هذه القواعد لاكتشفوا أنّ هناك أصولاً لتركيبة الوفد. وبعيداً من البحث في اسم ضابط شيعي أو مسيحي أو سنّي أو درزي أقسموا يمين الولاء للمؤسسة العسكرية ولم يخلف اياً منهم بما قال به لفقدان أي «عميل» في الجيش منذ تأسيسه، بعد اكتشاف العشرات في صفوف منتقديه والدعاء بقدراتهم على أنّها الأقوى والضمانة لسلامة البلاد وأمنها. ذلك أنّ القيادة عند تشكيله لا تنتظر نصيحة مذهبي او طائفي، لأنّه وفد يُشكّل على خلفية وظائف أعضائه ومهمّاتهم، كأن يضمّ نواب رئيس الأركان للتخطيط أو مساعده وللعمليات او نائبه، والتجهيز او مدير القوامة، عدا عن ضباط من المخابرات والشؤون الجغرافية والأمن العسكري حسب الحاجة والمهمّة، وممثل شبه دائم عن مكتب القائد، ليكون على تواصل دائم معه أينما كان في اجتماع او خارجه. وإنّ مجرد اللجوء إلى مثل هذه التركيبة تحفظ تمثيلاً مذهبياً تلقائياً في ظروف طبيعية لا تسمح بنقاش حول هوية هذا او ذاك من الضباط.

اما وعند العودة إلى التجارب السابقة، يظهر انّه وقد جرت العادة سابقاً أن يكون نواب رئيس الأركان للعمليات او التخطيط، رؤساء الوفود المفاوضة، خاضوا تجارب مريرة مع العدو الإسرائيلي، ووضعوا خبرتهم في خدمة المؤسسة العسكرية بأشكال مختلفة. والأمثلة على ذلك إن جرى البحث عنها، لا تُحصى ولا تُعدّ، جراء تكرار مثل هذه المحطات في مفاوضات تثبيت الحدود او الترسيم البحري وغيرها من أعمال اللجان التي عملت تحت رعاية أو ضيافة «اليونيفيل».

عند هذه الملاحظات ومن دون التوسع في تفاصيل أي منها، يجدر التوقف عمّا يسيء إلى سمعة لبنان، في انتظار ما يجري خارج مجريات المفاوضات الجارية برعاية أميركية، لانّه لا يفيد أحداً. ذلك انّ الساعين إلى الحضور على طاولة المفاوضات لن يكون لهم أي كرسي، ما لم يكونوا قد انتظموا ضمن الدولة ومؤسساتها، بعد عبور تلك الأزمة التي جنى منها لبنان ما يعيشه اليوم من قهر وذلّ ومهانة.

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img