يبدأ كثير من المرضى رحلتهم مع أعراض متشابهة ومربكة، تتراوح بين الخفقان والقلق والتعب واضطرابات النوم وتغيّر الوزن والمزاج، ما يفتح باب التساؤل: هل المشكلة في القلب أم في التوتر النفسي أم في سبب آخر خفي داخل الجسم؟
ورغم تنوّع الأعراض، تشير المعطيات الطبية إلى أن السبب قد لا يكون في القلب أو الجهاز العصبي أو المعدة، بل في الغدة الدرقية، وهي غدة صغيرة تقع في مقدمة الرقبة، لكنها تؤدي دوراً محورياً في تنظيم وظائف الجسم.
ورغم أن وزنها لا يتجاوز 15 إلى 25 غراماً، إلا أنها تتحكم في نبض القلب وحرارة الجسم والطاقة والتركيز والمزاج والجهاز الهضمي، ما جعلها تُعرف بـ”منظّم السرعة الداخلي” للجسم.
وتتكوّن الغدة من وحدات دقيقة تُسمى الجريبات، تقوم بامتصاص اليود من الدم لإنتاج هرموني T3 وT4، وهما المسؤولان عن تنظيم الإيقاع الحيوي للجسم، فيما يتولى هرمون TSH الصادر عن الغدة النخامية في الدماغ مهمة ضبط هذا النظام عبر زيادة أو خفض التحفيز بحسب الحاجة.
ويُعد اليود عنصراً أساسياً في هذه العملية، إذ إن أي خلل في مستوياته قد يؤدي إلى اضطرابات في وظيفة الغدة، ما ينعكس مباشرة على الجسم.
وعند فرط نشاط الغدة، يدخل الجسم في حالة تسارع تشمل خفقان القلب، التوتر، فقدان الوزن، الأرق، وزيادة التعرق، وقد تظهر رعشة في اليدين أو جحوظ في العينين في بعض الحالات مثل داء غريفز المناعي.
أما في حالة قصور الغدة، فينعكس الوضع بشكل معاكس، حيث يشعر المريض بالخمول والبطء وزيادة الوزن، مع جفاف الجلد وتساقط الشعر وبطء ضربات القلب وضعف التركيز والمزاج.
وتكمن خطورة اضطرابات الغدة الدرقية في تشابه أعراضها مع مشكلات نفسية مثل القلق والاكتئاب وضعف التركيز، ما قد يؤدي إلى تأخر التشخيص إذا لم تُجرَ الفحوصات المناسبة مثل تحليل TSH وT4.
ويعتمد العلاج على نوع الخلل، ففي حالات القصور يُستخدم دواء “ليفوثيروكسين” لتعويض نقص الهرمون، بينما تُعالج حالات فرط النشاط بأدوية تقلل الإنتاج أو عبر خيارات أخرى مثل اليود المشع أو الجراحة وفقاً للحالة.
ويؤكد الأطباء أن الاكتشاف المبكر والمتابعة الدورية يلعبان دوراً أساسياً في السيطرة على المرض، مشددين على أن الغدة الدرقية، رغم صغر حجمها، تتحكم بإيقاع الجسم كله، وأن تجاهل إشاراتها قد يؤدي إلى مضاعفات تؤثر على جودة الحياة.














