spot_img
spot_img
الرئيسيةشريط الاحداث"إسرائيل" أبقت لأشهر موقعَين سريَّين في العراق

“إسرائيل” أبقت لأشهر موقعَين سريَّين في العراق

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| فاليح حسن وإريكا سولومون- نيويورك تايمز |

كانت الشاحنة التي مرّت مزمجرة عند الساعة الثانية بعد ظهر الثالث من آذار مشهداً مألوفاً لسكان المخيَّم البدوي في الصحراء الغربية الوعرة في العراق، سيارة «بيك آب» تعود لراعٍ محلي، في طريقها إلى أقرب بلدة، النخيب. لكنّ عودتها بعد ساعات قليلة، مشتعلة بالنيران ومثقوبة بالرصاص، كانت أبعد ما تكون عن الروتين المعتاد. وأكّد 3 شهود من المخيَّم، أنّ مروحية كانت تطارد الشاحنة، وتطلق النار عليها مراراً حتى انحرفت وتوقفت أخيراً وسط الرمال.

وقع الهجوم، الذي لم يُكشف عنه سابقاً، بعدما انطلق عواد الشمري (29 عاماً) في رحلة لشراء حاجيات غذائية، بحسب ما قال ابن عمه، أمير الشمري، للـ«تايمز». لكنّ الراعي، بدلاً من أن يعود إلى منزله، عثر بالصدفة على سرّ عسكري إسرائيلي شديد الحراسة، مخفي في الصحراء العراقية. وتعتقد عائلته أنّ ذلك كلّفه حياته.

وسيؤدّي اكتشاف الشمري في نهاية المطاف إلى كشف كيف استضاف العراق قاعدتَين سرّيتَين تديرهما إسرائيل، الدولة المعادية، بصورة متقطعة لأكثر من عام.

 

وفي وقت ما بين بدء رحلته المشؤومة ونهايتها المروعة، كان الشمري قد تواصل مع القيادة العسكرية الإقليمية العراقية للإبلاغ عمّا رآه: جنود، ومروحيات، وخيام متجمّعة حول مدرج هبوط. ووفقاً لمسؤولين عراقيّين وإقليميّين كبار، كانت إسرائيل تدير هناك قاعدة لدعم عملياتها العسكرية ضدّ الشريك الإقليمي لبغداد، إيران.

وكانت «وول ستريت جورنال» قد نشرت سابقاً معلومات عن وجود موقع إسرائيلي في العراق. لكنّ مسؤولين عراقيّين أكّدوا للـ«تايمز» أنّ هناك قاعدة ثانية غير معلنة أيضاً في الصحراء الغربية العراقية.

 

وأكّد مسؤولون أمنيّون إقليميّون، أنّ القاعدة التي صادفها الشمري سبقت الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وقد استُخدمت خلال الحرب التي استمرّت 12 يوماً ضدّ طهران في حزيران 2025. وأضاف أحد المسؤولين الإقليميّين، أنّ القوات الإسرائيلية بدأت التحضير لبناء هذه القاعدة الموقتة منذ أواخر عام 2024، عبر تحديد مواقع نائية يمكن استخدامها في صراعات مستقبلية.

وتشير المعلومات التي قدّموها، إلى أنّ واحدة على الأقل من هذه القواعد – وهي التي عثر عليها الشمري – كانت معروفة لدى واشنطن منذ حزيران 2025 أو ربما قبل ذلك. وهذا يعني على الأرجح، أنّ حليف بغداد الرئيسي الآخر، الولايات المتحدة، قد أخفى عن العراق وجود قوات معادية على أراضيه.

 

ويرى وعد القدو، النائب العراقي الذي حضر إحاطة برلمانية سرّية بشأن تلك القاعدة: «إنّه يُظهر استخفافاً صارخاً بالسيادة العراقية، وبحكومتها وقواتها، وكذلك بكرامة الشعب العراقي». ويعتقد مسؤولون إقليميّون، أنّ دور الولايات المتحدة في الأمن العراقي كان جزءاً من حسابات إسرائيل، عندما قرّرت أنّها تستطيع العمل سراً بأمان داخل العراق. وأضاف مسؤولان أمنيان عراقيان، أنّه خلال الحرب القصيرة العام الماضي، وكذلك خلال النزاع الحالي، أجبرت واشنطن العراق على إغلاق راداراته لحماية الطائرات الأميركية، ما جعل بغداد أكثر اعتماداً على القوات الأميركية لرصد الأنشطة المعادية.

 

ويثير الكشف عن هذه القواعد أسئلة محرجة للعراق أيضاً. ومن بينها: هل كانت قواته حقاً غير مدركة لوجود أجنبي إلى أن كشفه راعٍ بدوي؟ أم أنّها كانت تعلم، لكنّها اختارت تجاهله؟

وأياً تكن الإجابة، فإنّ الاحتمالَين يعكسان كيف أنّ العراق، العالق منذ زمن طويل في شدّ الحبال بين واشنطن وطهران، لا يزال عاجزاً عن ممارسة سيطرة كاملة على أراضيه.

وصرّح اللواء علي الحمداني، قائد قوات الفرات الغربي في الجيش العراقي، أنّ الجيش كان يشتبه بوجود إسرائيلي في الصحراء منذ أكثر من شهر قبل اكتشاف الراعي: «حتى الآن، تلتزم الحكومة الصمت حيال ذلك».

 

ولا تزال الحكومة العراقية، التي تجد نفسها في موقف حساس إزاء الاعتراف بوجود مواقع إسرائيلية، تمتنع عن الإقرار بهذه القواعد. فالعراق لا يقيم علاقات ديبلوماسية مع إسرائيل، وسكانه ينظرون إليها كعدو. وصرّح الفريق سعد معن، المتحدث باسم القوات الأمنية العراقية، أنّ العراق «لا يملك أي معلومات بشأن مواقع أي قواعد عسكرية إسرائيلية».

وقد يهدِّد تصاعد الغضب في العراق حيال هذه الانكشافات، الجهود الأميركية للحدّ من النفوذ الإيراني في البلاد، حتى فيما تبقى نتائج الحرب غير محسومة.

 

وأقرّ مسؤولان أمنيان إقليميان، أنّ القاعدة التي كشفها الشمري كانت تُستخدم من قِبل إسرائيل للدعم الجوي، والتزوُّد بالوقود، وتقديم العلاج الطبي. وقد أُنشئ الموقع لتقليص المسافات التي يتعيّن على الطائرات الإسرائيلية قطعها للوصول إلى إيران. وكان المقصود أن يكون وجوداً موقتاً فقط لدعم العمليات العسكرية.

وفي خطاب ألقاه بعد حرب العام الماضي، كشف رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، الفريق إيال زمير، أنّ نجاح العمليات الإسرائيلية أصبح ممكناً «بفضل أمور عدة، من بينها التكامل والخداع اللذان نفّذتهما القوات الجوية وقوات الكوماندوس البرية».

 

ورفضت القيادة المركزية التابعة لوزارة الدفاع الأميركية، التي تشرف على العمليات في الشرق الأوسط، التعليق على العمليات الإسرائيلية في العراق، محيلة الأسئلة إلى الجيش الإسرائيلي.

لكنّ قادة عسكريّين أميركيّين كباراً سابقين، ومسؤولين في البنتاغون، وديبلوماسيّين أميركيّين خدموا في المنطقة، اعتبروا أنّه من غير المعقول، نظراً للعلاقات العسكرية الوثيقة بين الجيشَين الأميركي والإسرائيلي، ألّا تكون القيادة المركزية على علم بالوجود الإسرائيلي في غرب العراق.

 

سرّ خطير

على مدى أسابيع، كانت المجتمعات البدوية في الصحراء الغربية العراقية تبلّغ القيادة الإقليمية العراقية عن أنشطة عسكرية غير معتادة، وفقاً للواء الحمداني، القائد الإقليمي.

وأضاف، أنّ الجيش قرّر عدم الاقتراب، واكتفى بدلاً من ذلك بإجراء «مراقبة استطلاعية»من بعيد، لما اشتبه القادة بأنّه قوات إسرائيلية. كما طلبوا معلومات من نظرائهم الأميركيّين، لكنّهم لم يتلقّوا أي ردّ.

 

وفي اليوم الذي صادف فيه الشمري القوات الأجنبية، تواصل هو الآخر مع السلطات المحلية، بحسب ما قال ابن عمه واللواء فهيم الكريطي، المتحدّث باسم قيادة عمليات كربلاء الإقليمية.

وظلت عائلته تبحث عنه يومين، قبل أن تعثر على سكان بدو شهدوا مقتله، وتعرّف منهم على ما جرى له.

 

وفي اليوم التالي لتقرير الراعي، أرسلت القيادة الإقليمية العراقية مهمّة استطلاع، بحسب اللواء الكريطي واللواء الحمداني. ومع اقتراب الوحدات من المنطقة، تعرّضت لإطلاق نار، وفقاً لبيان صدر في اليوم التالي عن قيادة العمليات المشتركة العراقية. وقُتل جندي وأصيب اثنان بجروح، كما تعرّضت مركبتان للقصف قبل أن تقرّر الوحدات الانسحاب.

 

وكان كبار المسؤولين الأمنيّين العراقيّين في بغداد يحاولون فهم ما جرى. فيما أكّد مسؤولان كبيران، أنّ جهودهما كانت تُحبَط مراراً من قبل قادة عسكريّين كبار، قلّلوا من أهمية الحادثة. وعلناً، أعلنت قيادة العمليات المشتركة العراقية، أنّ عناصر «أجنبية» هاجمت جنودها، فرفعت شكاوى إلى مجلس الأمن الدولي.

 

أمّا سراً، فقد اتصل رئيس أركان القوات المسلحة العراقية، الفريق عبد الأمير يار الله، بنظرائه في الجيش الأميركي، وفقاً للواء الحمداني والمسؤولَين العراقيَّين الكبيرَين: «أكّدوا أنّ القوّة ليست أميركية. لذا فهمنا أنّها إسرائيلية».

وبعد 4 أيام من الهجوم على الجنود العراقيِّين، في 8 آذار، أجبر البرلمان العراقي القادة العسكريّين على تقديم إحاطة سرّية. وتذرّع نواب حضروا الجلسة، أنّهم لا يستطيعون كشف التفاصيل. لكنّ النائب حسن فدعم كشف أنّ إسرائيل أنشأت موقعاً واحداً آخر على الأقل داخل العراق.

 

وأكّد مسؤول عراقي ثانٍ وجود قاعدة ثانية، من دون الكشف عن موقعها، سوى أنّها تقع أيضاً في منطقة صحراوية غربية. ووفقاً لمسؤول عراقي كبير حالي وآخر سابق، فإنّ البروتوكول الرسمي يفرض على واشنطن إبلاغ بغداد بأي أنشطة تجري على الأراضي العراقية.

واليوم، لم تعُد القاعدة الإسرائيلية في النخيب قيد التشغيل. أمّا وضع الموقع الإسرائيلي الآخر في العراق، فلا يزال مجهولاً.

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img