
| طارق ترشيشي |
في لحظة لبنانية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع الأزمات الداخلية مع التحوُّلات الإقليمية والدولية، يبرز حراك النواب السنّة استجابة لمبادرة رئيس «حزب الحوار الوطني» النائب فؤاد مخزومي، كمحاولة لإعادة تنظيم الحضور السياسي السنّي ضمن معادلة وطنية تعاني من اختلالات واضحة. وهذا الحراك لا يمكن فصله عن واقع الفراغ الذي أصاب المرجعية السياسية التقليدية، وما خلّفه ذلك من تراجع في القدرة على التأثير، سواء داخل المؤسسات الدستورية أو في مسار اتخاذ القرار العام.
ينطلق هذا التحرُّك النيابي السنّي في جوهره من هدف أساسي يتمثل في إعادة إنتاج حدّ أدنى من التنسيق بين النواب السنّة، بما يسمح بتوحيد المقاربات حيال القضايا الكبرى. فالتشتت الذي ساد في السنوات الماضية، لم ينعكس فقط على الأداء السياسي، بل أدّى أيضاً إلى إضعاف الموقع التمثيلي داخل النظام اللبناني القائم على التوازنات الدقيقة. من هنا، يسعى الحراك إلى بناء منصة تشاورية تتحوَّل تدريجياً إلى إطار أكثر انتظاماً، قادر على بلورة مواقف مشتركة، تعيد إدخال الصوت السنّي إلى قلب النقاش الوطني.
ولا يتوقف الأمر عند حدود التنسيق الداخلي، بل يمتد إلى محاولة إعادة تعريف الأولويات السياسية لهذه الشريحة، خصوصاً في ما يتعلّق بتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها. إذ يضع هذا الحراك في صلب أهدافه الدفع في اتجاه تثبيت مرجعية الدستور، والتمسك بوثيقة الوفاق الوطني المعروفة بـ»اتفاق الطائف»، كإطار ناظم للحياة السياسية، في مواجهة أي محاولات لإعادة النظر في التوازنات القائمة خارج الأطر الدستورية. كذلك، يبرز هدف واضح، يتمثل في دعم فكرة حصرية السلاح بيد الدولة، في اعتبارها مدخلاً أساسياً لاستعادة السيادة وبناء الاستقرار.
وعلى المستوى المحلي، يسعى الحراك إلى لعب دور أكثر فاعلية في الملفات الحيوية التي تشغل اللبنانيِّين، من إعادة الإعمار إلى التشريعات الاجتماعية والاقتصادية، وصولاً إلى القضايا المرتبطة بالأمن والاستقرار. كما يحاول أن يشكّل قوّة دفع داخل مجلس النواب، تساهم في التأثير في مسار تشكيل الحكومات، وفي رسم السياسات العامة، بما يعكس توازناً أفضل بين مختلف المكونات السياسية.
أمّا على المستوى العربي، فيحمل هذا التحرُّك بُعداً لا يقلّ أهمية. فإعادة تنظيم الساحة السنّية في لبنان تُعدّ، في نظر عدد من المراقبين، عنصراً أساسياً في إعادة وصل ما انقطع بين لبنان ومحيطه العربي، خصوصاً في ظل مرحلة تشهد إعادة ترتيب للأولويات الإقليمية. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الحراك كجزء من محاولة أوسع لتقديم شريك لبناني قادر على التفاعل بإيجابية مع الدول العربية، والمساهمة في استعادة مستوى من الثقة السياسية والاقتصادية التي تراجعت في السنوات الأخيرة.
وفي الإطار الدولي، يكتسب هذا الحراك دلالة إضافية، إذ يتقاطع مع اهتمام المجتمع الدولي المتزايد باستقرار لبنان، خصوصاً في ظل الأزمات الاقتصادية والمالية العميقة التي يواجهها. فوجود إطار سياسي سنّي أكثر تماسكاً، قد يُنظر إليه كعامل استقرار إضافي، يسهّل التواصل مع الجهات الدولية، ويدعم الجهود الرامية إلى تنفيذ الإصلاحات، واستقطاب الدعم المالي والاستثماري. كما أنّ وضوح المواقف في القضايا السيادية يمكن أن يعزّز موقع لبنان في أي مسار تفاوضي أو ترتيبات دولية مرتبطة بالمنطقة.
إلى جانب هذه الأبعاد، يبرز هدف داخلي لا يقلّ أهمّية، يتمثل في إعادة بناء الثقة مع الشارع السنّي، الذي شهد خلال السنوات الماضية حالة من الإحباط نتيجة غياب القيادة الموحّدة وتراجع الفعالية السياسية. إنّ هذا الحراك، إذا ما نجح في ترجمة أهدافه إلى خطوات عملية، قد يساهم في إعادة تفعيل العلاقة بين التمثيل النيابي والبيئة الشعبية، وهو ما يشكّل عنصراً حاسماً في استدامة أي مشروع سياسي.
ومع ذلك، يبقى هذا المسار محكوماً بجملة من التحدّيات، يتعيّن على مخزومي وزملائه معالجتها، وأبرزها محدودية المشاركة حتى الآن، واستمرار التباينات في المقاربات بين مختلف الأطراف. غير أنّ هذه العقبات، على أهمّيتها، لا تلغي حقيقة أنّ ما يجري يعكس محاولة جدّية للانتقال من حالة التشتت إلى البحث عن صيغة تماسك تدريجية. فمجرّد السعي إلى بناء مساحة مشتركة للحوار والتنسيق، يمثل خطوة إلى الأمام في بيئة سياسية اعتادت على التشرذم. وإذا ما تمكّن هذا الحراك من الاستمرار وتوسيع قاعدته، فقد يتحوَّل تدريجاً إلى إطار أكثر تماسكاً، قادراً على لعب دور فاعل في تشكيل السياسات العامة، والتأثير في مسار تشكيل الحكومات، والمساهمة في إعادة التوازن إلى النظام السياسي.
وفي أي حال، يمكن القول إنّ الحراك السنّي الحالي يشكّل أكثر من مجرّد مبادرة ظرفية؛ إنّه تعبير عن لحظة إعادة تموضع داخلية، تتقاطع مع تحوُّلات أوسع على المستويَين العربي والدولي. نجاحه لن يُقاس فقط بقدرته على توسيع قاعدته، بل أيضاً بمدى تمكّنه من تحويل أهدافه إلى سياسات ملموسة، تعيد التوازن إلى الحياة السياسية اللبنانية، وتفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقراراً ووضوحاً في تحديد الأدوار. كما أنّ هذا الحراك يعكس إدراكاً متزايداً بأنّ المرحلة الحالية تتطلّب الانتقال من حالة التشتت إلى محاولة بناء تماسك سياسي، ولو تدريجاً. وإنّ نجاح هذه المحاولة يبقى مرتبطاً بقدرتها على تحقيق ثلاثة شروط أساسية: توسيع دائرة المشاركة، إنتاج خطاب واقعي قابل للتطبيق، وترجمة هذا الخطاب ممارسات سياسية ملموسة. عندها فقط يمكن القول إنّ الحراك لم يكن مجرّد استجابة ظرفية، بل بداية مسار يُعيد رسم ملامح الدور السنّي في لبنان.













