| سوسن صفا |
في زاويةٍ من هذا الجنوب المثقل بالحروب، حيث تُختصر الحكايات في صورٍ سريعة وأخبارٍ عاجلة، وقف أبو علي، ابن السابعة والثمانين عامًا، شاهدًا على زمنٍ لم يعد يُقاس بالساعات، بل بالخسارات.
لم يكن مشهده، وهو ينام فوق ركام منزله، مجرد صورة عابرة، بل نصًّا إنسانيًّا عميقًا اختصر معنى الانتماء، ومعنى الذاكرة، ومعنى الصمود.
لم يبحث أبو علي عن أثاثٍ يُستعاد، أو صورةٍ حاول ترميمها من زمنٍ مضى.. كان بحثه أعمق بكثير.
نقّب عن عمرٍ تركه خلفه.. عن أيامٍ خبّأها في تفاصيل البيت الذي لم يعد بيتًا.
كأن الركام لم يكن سوى غلافٍ خشن لذاكرةٍ ناعمة، تختبئ فيها لحظات الفرح الصغيرة، وذكريات الحزن الذي اعتاد أن يخبّئها تحت وسادته.
اختار أبو علي أن ينام فوق حجرٍ واحد.. حجرٍ لم ينجح العدو في تفتيته.. حجرٍ اختصر حياةً كاملة، وكأنه يقول إن ما تبقّى، مهما كان ضئيلًا، يكفي ليحفظ المعنى.
غفا أبو علي، حالِمًا، أو ربما مستسلمًا بشكلٍ مؤقت لذاكرةٍ أثقل من أن تُحمل في يقظةٍ موجعة.
غفا أبو علي على طبقاتٍ من عمرٍ كامل، امتزجت فيه الأصوات والروائح والوجوه.
غفا أبو علي، وتنفس بعمق، علّه يستعيد رائحة بيتٍ مضى.
لم يختر رحيلًا صاخبًا، ولم يعلن وداعًا، إذ أدرك أن بعض الفراق لا يحتمل الضجيج، وأن الصمت أصدق طريقٍ للعبور.
فالبيوت، حين تسقط، لا تأخذ معها الحجارة فقط، بل تسحب أجزاءً من الروح.
وقبل أن يُسلِّم الروح، استعاد صورة مدخل البيت: ياسمينة تتمايل بخفة، وحبقٌ تعبق رائحته بما لا تخطئه ذاكرته. وكأنه تمسّك بلحظةٍ أخيرة.
ترك الركام في مكانه، وترك نفسه تمضي. لم يكن يبحث عن بدايةٍ جديدة، بقدر ما كان يهرب من نهايةٍ يصعب احتمالها.
كان يعرف أن البقاء فوق الحجر، مهما كان صلبًا، لا يعيد بيتًا، ولا يمكن أن يعيد زمنًا مضى. ومع ذلك، حمل معه أكثر من ذلك؛ حمل ذاكرة بيتٍ كما كان، لا كما أصبح.
في رحيله الصامت شيءٌ من كرامة، وشيءٌ من تعب، وشيءٌ من التصالح أيضًا، كأنه أراد أن يقول:
لقد أخذتُ كلّي من هذا المكان، بما فيه من فرحٍ وحزن، وحان الوقت أن أتركه لما تبقّى من صمت.
رحل أبو علي، وسلّم مفاتيح ذاكرته للريح، وترك خلفه ما لا يمكن هدمه: الأثر.
مضى أبو علي بصمتٍ يليق بعمرٍ طويل، وقال لنا إن الإنسان لا يُقاس بما يفقده، بل بما ينجو منه في داخله.
حفر أبو علي حكايته على عتبة الدار… ومضى.













