لم يمت هذا الرجل تحت أنقاض منزله، بل مات واقفاً على ذاكرته.
حين عاد إلى بيته بعد القصف، لم يكن يبحث عن جدرانٍ سليمة، بل عن نفسه التي تركها بين تلك الزوايا. وقف أمام الركام طويلاً، كأنّه ينتظر أن تردّ عليه الحجارة، أن تعيد له صوت الأيام التي سكنت هنا.. ضحكات، تعب، تفاصيل صغيرة لا يراها أحد سواه.
لم يكن البيت بالنسبة له سقفاً وحسب، بل عمرٌ كامل. كل حجرٍ كان يحمل أثراً، وكل زاويةٍ كانت تختبئ فيها قصة. لذلك لم يستطع أن يرحل. ظلّ يطلّ عليه، يحدّق فيه، كأنّه يخاف أن يختفي إن أدار ظهره.
في تلك اللحظات، لم يكن ينظر إلى دمارٍ فقط، بل إلى حياةٍ سُرقت دفعة واحدة، على يد عدو سرق منّا أعمارنا وأرزاقنا.. وحتى أحلامنا. كان يرى نفسه قبل القصف، ويرى ما لن يعود.
مات هناك.. ليس لأن الصاروخ أصابه، بل لأن قلبه لم يحتمل فكرة أن البيت الذي احتواه كل تلك السنين، لم يعد قادراً على احتوائه. مات وهو يودّع مكاناً لم يكن مجرد منزل، بل ذاكرةً كاملة.. وقطعةً من روحه.
رحل أبو علي فقيه، ابن بلدة صريفا الجنوبية، حاملاً في قلبه الذي خذله، الكثير من الصرخات المكتومة، عن ظالم طاغية، اسمه “اسرائيل”.













